Share

الشارع في قبضة السموم.. حين يقود الترامادول سياراتنا

by Sallmina · يوليو 9, 2025

كتبت/ أبرار أحمد

في مشهد يتكرر بشكل مفزع على طرق مصر، وخاصة في قرى ومراكز محافظة المنوفية، لا تكاد تمر أيام دون أن تهتز مواقع التواصل الاجتماعي بخبر حادث مروع، غالبًا ما يكون بطلُه سائقٌ تحت تأثير المخدر. المخدرات لم تعد خطرًا يُحاصر الشباب فقط، بل أصبحت شريكًا دائمًا في عربات النقل، والمركبات الخاصة، والتكاتك، بل وحتى في أتوبيسات المدارس. فهل لا يزال الطريق آمنًا؟ ومن يقود فعليًا… السائق أم المادة المخدرة؟

خلال الأيام الماضية، تصدّرت محافظة المنوفية أخبار الحوادث بسبب عدد من الكوارث التي تكررت في نطاق زمني ضيق. ففي مركز الباجور، شهد الأهالي حادثًا أليمًا حين فقد سائق توك توك السيطرة على المركبة، ليتبيّن لاحقًا أنه كان تحت تأثير “الترامادول”. لم تكن هذه الحالة الأولى، بل ظهرت حالات مشابهة في أشمون ومنوف وشبين الكوم، حيث اصطدم سائق نقل بثلاثة أطفال في أحد الشوارع الجانبية، وبعد التحاليل تبين أنه كان يتعاطى “الاستروكس”.

الأمر لا يتوقف عند الحوادث، بل يمتد إلى ظاهرة “التفحيط” ليلاً في الشوارع الضيقة وسط المناطق السكنية، يقودها شباب في حالة هلوسة كاملة. هذه الحوادث ليست مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل هي قصص لضحايا فقدوا أرواحهم، وأسر تحطمت حياتها إلى الأبد.

المخدرات والسائق.. من يتولى القيادة فعلاً؟

وفقًا لتقارير صادرة عن “صندوق مكافحة وعلاج الإدمان”، فإن نحو 12% من السائقين الذين تم فحصهم خلال حملات مرورية في 2024 ثبت تعاطيهم لمواد مخدرة. وتتصدر مواد مثل الحشيش، الترامادول، والبانجو قائمة المواد المتعاطاة.

الخطورة تتفاقم مع سائقي النقل الثقيل، حيث يقضون ساعات طويلة على الطرق السريعة، ويلجأ البعض لتعاطي المواد المخدرة بدعوى البقاء يقظًا. هذه المواد لا تُبقيهم مستيقظين فحسب، بل تسلب وعيهم تمامًا، وتحوّل شاحناتهم إلى “قنابل موقوتة”.

رد الدولة: مواجهة بالأرقام والقانون

لم تكن الدولة غافلة عن هذا الخطر. فقد أطلقت وزارة الداخلية بالتعاون مع وزارة الصحة و”صندوق مكافحة الإدمان”، حملات مفاجئة لتحليل المخدرات لسائقي المدارس والنقل العام والنقل الثقيل. وأسفرت هذه الحملات عن ضبط آلاف الحالات منذ عام 2023 حتى اليوم.

في محافظة المنوفية وحدها، تم إجراء تحاليل لـ 2000 سائق خلال الشهور الستة الأولى من 2025، وتبيّن أن 370 منهم يتعاطون موادًا مخدرة. تم سحب الرخص فورًا، وإحالة البعض للنيابة، فيما تم تحويل الآخرين للعلاج الإجباري وفقًا لقانون الخدمة المدنية الجديد الذي يسمح بعلاج المدمنين طوعًا أو قسريًا.

كما أطلقت الدولة تعديلات تشريعية لتغليظ العقوبات على من يثبت قيادته تحت تأثير المخدر، لتصل إلى الحبس والغرامة وسحب الرخصة نهائيًا.

الحماية والتوعية.. هل تنقذ ما يمكن إنقاذه؟

الرد الأمني وحده لا يكفي، لهذا تعمل الدولة على مسار آخر أكثر عمقًا: التوعية والوقاية.
أُطلقت حملات توعية في المدارس والمواقف العامة تحت شعار “أنت أقوى من المخدرات”، بمشاركة نجوم رياضة وفن مؤثرين في الشارع المصري، بالإضافة إلى دورات تدريبية لسائقي المدارس وسائقي الأجرة.

كما يتم التعاون مع الجمعيات الأهلية لنشر برامج التوعية داخل القرى، خصوصًا في المناطق التي ترتفع فيها نسب التعاطي بين الشباب. وتُركّز هذه البرامج على خطورة المخدرات من الناحية الصحية، القانونية، والأخلاقية، كما توفر طرقًا للعلاج المجاني السري.

الطريق مازال طويلًا نحو الأمان

الحوادث المرورية الناتجة عن تعاطي المخدرات ليست قضاءً وقدرًا، بل هي نتائج حتمية للإهمال، ولانتشار السموم البيضاء في جيوب السائقين. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة، فإن حجم المشكلة لا يزال يفوق التوقعات.

المعركة مع المخدرات على الطرقات مستمرة، لكن النصر لن يتحقق إلا إذا شارك الجميع: الدولة، والأسرة، والمجتمع المدني، والإعلام. لأن كل حادث جديد، هو جرس إنذار ينبهنا أن الأرواح لا تزال تُهدَر، وأن الطريق لم يصبح آمنًا بعد.

You may also like