Share

ابن خلدون ، ومقدمته التي أربكت العالم

by Sallmina · يوليو 5, 2025

بقلم/ أسامة ريان

 حكى دكتور طه حسين عن لقائه –أو صدامه- الأول في جامعة مارسيليا إبان وصوله إلى فرنسا، وكان حول دهشة الأساتذة هناك من هذا القادم من مصر لنيل الدكتوراه، ويجهل ابن خلدون ومنجزاته التي “أربكت” العالم وحركة العلم والسياسة، حتى أنهم يجعلونه سابقا لمونتسيكيو الذي يقدرونه كعالم اجتماع معتبر.

ولعل لنشأة “ولي الدين عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن خلدون” في ظروف سياسية مضطربة أشد الاضطراب، مع انتسابه هذا إلى سلالة –اجتهد النسابة ابن حزم في تأصيلها- تحترف العلم والمعرفة في شتى مناحي العلم، كان لهذه النشأة الأثر البعيد في دقة رصد وصياغة مؤلفاته التي جاءت معبرة عن أحوال البشر عبر الأزمان، وبحيادية أقلقت البعض مما جعل حياته مهددة في معظم الأحوال، فكان كثير الترحال للدراسة، وللنجاة في أحايين كثيرة مع ما قرّ في نفسه من تساؤلات حول نزوح أسرته من الأندلس في خضم جوِ من الفتن لم يخمد بين الامارات الاسلامية (امتداداً لصراع نشأ هناك بين العرب والبربر، شركاء الفتح، والذي استأثر العرب بالزعامة له) ودخول الامارات المسيحية المجاورة كطرفِ، بهدف التوسع والاسترداد عن طريق إذكاء نار هذه الفتن. تتلمذ على أيدي أشهر علماء عصره فقد كانت تونس من أهم مراكز استقرار الفارين من علماء الأندلس وحفظ القرآن بقراءاته السبع مع دراسة بقية علومه بإجادة، وأيضا علوم المنطق والفلسفة وما يلحق بهما، ما أهله لمناصب كثيرة، ولعلها كانت مصادر لمتاعبه وتعطيل فكره.

 وعندما حضر إلى مصر في رحلته للحج من تونس –وكان قد غادرها الى الأندلس بدعوة من أحد الأمراء- استقر في القاهرة، وقد جاوز الخمسين من عمره، كقاضي للمالكية، وأشركه السلطان برقوق في بعض البعثات “الدبلوماسية”، مما زاد من متاعبه مع المحيطين وعطله عن استكمال مؤلفاته، فاعتزل الحياة العامة ليتفرغ للكتابة.

وتأتي نظرة ابن خلدون للتاريخ بأحداثه ووقائعه مغايرة لما درج عليه المؤرخون –معاصريه وسابقيه- فهو لم يرَ فيه مجرد حكايات أو مرويات للاتعاظ، بل لحظ فيه علماً يستحق الدراسة واستنتاج نظريات من خلال منهاج للشرح والتعليل كنوع من “الفلسفة الاجتماعية” ، فكانت هذه “المقدمة” البارعة التي حاول فيها شرح منهجه في مؤلفه الأشهر”العِبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر” ونلحظ الطول المفرط للعنوان –ولعله أضافه بعد انتهائه- كديدن أهل زمانه، لكن المفارقة جاءت في تلك الشهرة الكبيرة التي حظت بها مقدمة الكتاب ، حتى أنها تُعتبر المؤسِسة لعلم جديد هو “علم الاجتماع” حسب رؤى كثيرين من علماء الاجتماع المُعتبرين مثل دوركايم وأوجست كونت وغيرهم. ونلحظ هنا أنه يعتبر ما يؤسس له “علمٌ جديد”، فلم يستخدم المفردات والتراكيب التقليدية المستخدمة في كتب التاريخ العربي. يخبرنا في المقدمة أنه يضع المجتمع الانساني كله بما يعرض له من ظواهر طبيعية محلاً لتأمله، في جميع أطواره منذ نشأته وبداوته، تردده بين الضعف والقوة، وتكوينه من الفرد والجماعة حتى الدولة والسلطان. ويتطرق أيضاً إلى معارف الخاصة والعامة وما قد يدفعها إلى أوهام وخرافات. لذلك جاء بناء الكتاب على قاعدة من المنطق الرياضي/الهندسي، ولأول مرة في علم العصور الوسطى، في محاولة تحويل التاريخ من مادة أدبية إلى مادة علمية، أي فرع من الفلسفة على أساس منهجي لم يخضع مطلقاً لأسلوب التأليف الروائي كما يفعل المؤرخون.

ويقسم منهاجه إلى ستة فصول أو مباحث:

1 –العمران البشري عموماً وتنوعه ونصيبه من الأرض.

2- العمران البدوي وذكر القبائل والأمم الوحشية.

3- الدول والخلافة والملك والمراتب السلطانية.

4- العمران الحضري والبلدان والأمصار.

5-الصنائع والمعاش والكسب ووجوهه.

6-العلوم وأكتسابها وتعلمها.         

ويبرر للقارئ هذا التقسيم “وقد قدّمت العمران البدوي لأنه سابق على جميعها، كما نبين لك بعد وكذا تقديم المُلك على البلدان والأمصار، أما تقديم المعاش فلأنه ضروري وطبيعي، وتعلم العلم كمالي أو حاجي، والطبيعي أقدم من الكمالي. وجعلت الصنائع مع الكسب لأنها منه ببعض الوجوه من حيث العمران، كما نبين لك بعد”.

ويؤكد ابن خلدون على أن هذا العلم ينشأ فقط في المجتمع الحضري نتيجة للتحول من “الضروري” إلى “الكمالي” لأن النشاط الانتاجي يأتي سابقاً على العلم، خاصة وأنه يسترشد دائماً بمبادئ أربع يحددها كما يلي:

1تتحدد حياة المجتمع بأساسها المادي ، ويتجلى في أساليب ضمان مقومات الحياة ، أي منتجات المجتمع.

2بداية حياة اجتماعية منظمة تبدأ دائماً من “المُلك” أو أي بناء سياسي آخر، ويتحدد هذا بالعلاقات الانتاجية، وينشأ عنها التنظيم السياسي.

3تأتي بقية مسائل العمران البشري كنتيجة للنقتطين السابقتين وناشئة عنهما.

4 تصنف المعلومات في تتابع تاريخي وتبويب يُظهر الأسباب والعلاقات والنتائج، لأن حياة البداوة سابقة على حياة الحضر (حياة الحضر هي نتيجة لتطور الحياة البدوية).    

ويمكن تبين طريقته المستحدثة في تناول الموضوعات من العنوان، ثم صياغة بداية الفصل على هيئة نظرية، يقوم بتفنيدها والبرهنة عليها (برهانا نظريا، يعقبه ببرهان تاريخيا ملموسا) مع الشرح.

فمثلاً جاء عنوان لفصل “في أن البدو أقدم من الحضر وسابق عليه، وأن البادية أصل العمران، والأمصار مدد لها”. فيكون البرهان النظري “يؤمن الناس لأنفسهم الضروري أولاً، ثم يلي ذلك الكمالي. فكانت الحياة البدوية الموصلة للضروري تسبق الحياة الحضارية الموصلة للكمالي”. ويدلل بالبرهان التاريخي “أننا إذا فتشنا أهل مِصر من الأمصار، وجدنا أولية أكثرهم من أهل البدو الذين بناحية ذلك المصر، وفي قراه. وأن أسلافهم خرجوا من هناك، وقد أيسروا، فسكنوا المِصر”.

وعنوان لفصل آخر –كان مثاراً للمشاكل والجدل- “في أن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب”. وكان البرهان النظري “أن العرب أمة وحشية، والتوحش ليس من خواصه الاهتمام باحتياجات الزراعة والصنائع والحكم المنظم، فهم متوحشون بالطبيعة، كما أنهم لم يبلغوا الطور الضروري من المدنية”. وهنا يستفيض في البرهان التاريخي ببعض مما عاصره “مثل أساليب تدمير العرب للشام، وغزو قبائل الهلالية للمغرب”.

وسنحاول هنا الخوض في غمار هذا السِفر العميق بما لا يضعف من أصوله، ويعطي تفسيرات لما قد يجدّ من تغيرات في أحوال الانسانية ومقدراتها. تشمل المقدمة فصولاً ستة يتخللها دائما إبرازه لفضل علم التاريخ مع مراعاة تطوره بدقة، وكشف أسباب أخطاء المؤرخين بحياد في حدود مايعرف.

الفصل الأول: “في العمران البشري” ويقسمه إلى ستة موضوعات (لكل منها مقدمة خاصة دالة).

الأول “في أن الاجتمع الانساني ضروري”، الثاني “في قسط العمران من الأرض، واشارات إلى البحار والأنهار والأقاليم” حيث يقسم المعمورة إلى سبعة أقاليم، مع تفسير سبب استقرار العمران في الربع الشمالي من الأرض أكثر من الجنوبي. الثالث “في تأثير الهواء والاعتدال في ألوان وأحوالهم” ، الرابع “تاثير الطقس في أخلاق البشر” ، الخامس “في اختلاف أحوال العمران في الخصب والجوع” وما ينشأ عن ذلك في أخلاق البشر وأبدانهم، السادس “في أصناف المُدركين للغيب من البشر بالفطرة أو بالرياضة” ويتخلله حديث عن الوحي والرؤيا.

الفصل الثاني: “في العمران البدوي، والأمم الوحشية والقبائل” وهو كثير الموضوعات ومتصلها، ويقدم لكل منها بما يبسط المضمون مثل: اهل البدو أقرب إلى الخير والشجاعة من أهل الحضر، والعصبية إنما تكون من الالتحام بالنسب وما في معناه، وأن الرياسة على أهل العصبية لا تكون في غير نسبهم، وغايتها المُلك، وأن نهاية الحسب في العقب الواحد أربعة أباء، وكلما كانت وحشية كان ملكها أوسع، ويضيعه حصول الترف وانغماسهم في النعيم، والمغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونِحلته وسائر أحواله وعوائده.

ولعل الأخطر هنا ما توصل إليه من أن العرب لا يتغلبون إلا على البسائط، وإذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب، وأنهم لا يصلون  إلى المُلك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة، وهم أبعد الأمم عن سياسة المُلك.

الفصل الثالث: “في الدول العامة والمُلك والخلافة، وما يعرض لها من أحوال وقواعد ومتممات” ويحتوي عدة موضوعات مترابطة مثل قيام الدولة على القبيل والعصبية بأصل ديني، وصعوبة الحكم مع كثرة القبائل والعصائب، وأن طبيعة المُلك هي الانفراد بالحكم والمجد مع الميل إلى الدعة والسكون، فيسود الترف بما يضر بالمُلك، وهنا يهتم بتحول الخلافة إلى مُلك ثم ولاية عهد, ويتطرق إلى شرح إسم البابا والطرك لملة النصارى، وكذلك إسم الكوهن لليهود، وتقسيم مراتب السيف والقلم والدواوين وادوارها في دعم الحكم، وعلاقة الجباية والمكوس بثروة السلطان وحاشيته، وأن نقص العطاء من السلطان يؤدي إلى النقص في الجباية، مع التحذير من أن الظلم مؤذن بخراب العمران، خاصة إذا لاحت بوادر مجاعة أو كثرة موتان، وأشار ايضا إلى ضرورة تتبع الملاحم ومسمى الحضر.

You may also like