كتبت- أبرار أحمد
الكلمة لا تكفي وحدها
منذ أن بدأ الإنسان تدوين أفكاره ومشاعره عبر الكلمات، ظهرت الحاجة للاعتراف بمن يبدع أكثر، ويكتب بطريقة تحرك القلوب وتفتح العقول. لم تعد الكتابة مجرّد هواية أو وسيلة للتعبير، بل أصبحت ساحة منافسة، وفضاءً يُكرَّم فيه التميز، وهنا ولدت الجوائز الأدبية.
ما هي الجوائز الأدبية؟
الجوائز الأدبية هي شكل من أشكال التكريم الثقافي، تُمنح للكتّاب والشعراء والمفكرين عن أعمالهم في مجالات الرواية، القصة، الشعر، المقال، المسرح، وأحيانًا حتى الكتابة الصحفية أو الترجمة. وهي ليست مجرّد شهادات أو مبالغ مالية، بل تُعدّ اعترافًا رسميًا بجودة النص، وقيمته الإبداعية والفكرية.
بين الشهرة والتأثير
الحصول على جائزة أدبية ليس فقط إنجازًا شخصيًا، بل يمكن أن يُغيّر مصير الكاتب بالكامل. فمن غير المعروف إلى نجم تُترجم أعماله وتُدرَّس في الجامعات، تفتح الجائزة أبوابًا واسعة للنقاش والتأثير. بعض الجوائز تُسلط الضوء على قضايا اجتماعية أو سياسية، وبعضها يُعيد إحياء لغات أو هويات ثقافية مهددة.
عالمية الجوائز وتنوعها
من “نوبل للآداب” السويدية التي تُعتبر قمة الجوائز العالمية، إلى “البوكر” البريطانية ونسختها العربية، و”جائزة الشيخ زايد”، و”جائزة نجيب محفوظ”، و”كتارا”، و”الطيب صالح”، تتنوع الجوائز في مرجعياتها، وشروطها، وأهدافها، لكنها تلتقي جميعًا عند نقطة واحدة: الاحتفاء بالقلم الجيد.
أسئلة يطرحها القارئ
لكن هل الجوائز الأدبية دائمًا عادلة؟ وهل يمكن أن تساهم في تسييس الأدب أو تجميل صورة أنظمة أو جهات بعينها؟ ولماذا تثير بعض الجوائز الجدل حين تُمنح لكاتب معين؟ وهل يُمكن أن تؤثر في مضمون الأدب وتوجهاته؟ هذه الأسئلة وأكثر سنتناولها خلال هذا المقال.
في حديث خاص.. الناقد أحمد صلاح هاشم يكشف خفايا الجوائز الأدبية: “هي ليست محايدة.. وصاحب المال صاحب قرار”

ضمن سلسلة تحقيقاتي الخاصة حول عالم الجوائز الأدبية، أجريت حوارًا مع الكاتب الصحفي والناقد أحمد صلاح هاشم، أحد الأصوات الثقافية المرموقة التي لا تخشى التعمق في القضايا الشائكة. حاولت من خلال هذا اللقاء أن أستكشف معه الأسئلة الكبرى التي تدور حول العدالة، التسييس، وتحفيز الإنتاج الأدبي من خلال الجوائز.
هل الجوائز الأدبية مُسيَّسة؟ ومن يتحكم فيها؟
كان سؤالي الأول مباشرًا:
“هل الجوائز الأدبية مسيَّسة؟ وهل يتحكم فيها رأس المال؟”
جاء رده واضحًا:
“لا بد هنا من تحرير كلمة ‘مسيَّسة’، فإذا كان المقصود بها سياسة الجهة الثقافية التي تموّلها وميولها وآيديولوجيتها، فهذا أمر لا شك فيه.”
وأضاف:
“الحقيقة أن أكثر الجوائز الثقافية تخضع لوجهات نظر أصحابها؛ فثمة جوائز تستند إلى معايير المشاكسة والمراوغة، وثمة جوائز يُشترط فيها أن تكون بعيدة عن المقدسات أو التابوهات. كل هذه الاشتراطات لا علاقة لها بالفن، بل هي انعكاس لرغبات المانحين ومنظومتهم الأخلاقية والسلوكية.”
واختتم رأيه بتشبيه لافت:
“الجوائز تشبه مصروف البيت، ومن يحصل عليها كأنه أحد أفراد الأسرة. لا شك أن من يعطي المصروف، أي الجهة المانحة، سيكون لها رأي وقرار، حتى لو كان للأبناء هامش من الحرية.”
هل تحفّز الجوائز الإنتاج الأدبي؟
طرحت عليه سؤالًا آخر:
“هل الجوائز الأدبية تحفز الكاتب على الإبداع والإنتاج، أم أن الدافع يجب أن يكون ذاتيًا أولًا؟”
فأجاب بإسهاب:
“تبدأ المسألة بالأسطورة السيزيفية؛ تحريك الصخرة إلى قمة الجبل ثم سقوطها، وتحريكها مجددًا إلى القمة ذاتها، ثم السقوط… لماذا نعدّه تعذيبًا؟ لأنه بلا مقابل. كل عمل لا يُكافأ عليه الإنسان هو نوع من العقوبة. الأدب كذلك.”
وأوضح أن:
“للجوائز الأدبية دور كبير في التحفيز، لكنها ليست المحفّز الوحيد. فالدافع الأول يجب أن يأتي من الداخل، من حاجة الكاتب لاكتشاف ذاته، والتعبير عن أوجاعه أو أوجاع مجتمعه، من خلال الصراخ الهادئ والمرشَّد.”
هل تم التلاعب بنتائج بعض الجوائز الأدبية؟
وعن سؤالي التالي:
“هل سمعت عن جوائز تم التلاعب بنتائجها أو فرض أسماء بعينها؟”
أجاب قائلاً:
“أسمع بذلك في أحاديث بعض (المثقفين)، وفي أروقة المبدعين. أما أنني صادفت ذلك بعيني، فلم يحدث. لا يعني هذا أن لجان الجوائز منزهة عن الخطأ، لكن المسألة معقدة.”
الجوائز العربية أم العالمية؟
ثم طرحت عليه سؤالًا شائكًا:
“كيف ترى مكانة الجوائز العربية مقارنة بالجوائز العالمية من حيث التأثير والقيمة؟”
فقال:
“الإجابة على هذا السؤال تضطرني إلى فتح أبواب صعبة، أهمها طبيعة المحكِّم نفسه. كثير من الكتّاب العرب لا يستطيعون التحرر من آيديولوجياتهم ومواقفهم الشخصية أثناء التقييم، في حين يُفترض أن الأدب يتجاوز كل الأطر.”
هل تقبل بجائزة لا تتفق مع قِيَمك؟
وفي سؤالي الأخير، كان رده حاسمًا:
“حتى الآن، لا أفكر في التقدُّم لأي جائزة تختلف مع مبادئي أو قيمي السياسية. لكن هناك جوائز تُمنح نتيجة مجهود أدبي فعلي، وهذه تختلف، وتستحق التقدير.”
الروائي مصطفى سليمان في حديث خاص: الجوائز لا تُمنح دائمًا بناءً على الجودة.. والمجاملات موجودة
ما معايير اختيار العمل الأدبي؟

“المعايير تختلف من لجنة لأخرى، فلكل عضو ذائقته الأدبية الخاصة، لكن من الأفضل أن يكون هناك نموذج تحكيم واضح: درجة للغة، والسرد، وبناء الشخصية، والحوار، والأخطاء اللغوية. وجود هذا النموذج يجعل التحكيم أكثر دقة وعدالة.”
هل الجوائز الأدبية مسيسة؟
“لا أستطيع الجزم، لكني ألاحظ أن جائزة مثل البوكر غيرت اتجاهها بعد فوز كاتبين مصريين في أول دورتين. يبدو أن هناك توجهًا لتوزيع الجوائز على دول مختلفة، وهذا يجعل الجوائز تبدو مسيّسة بعض الشيء.”
هل الجوائز تمنح على أساس الجودة؟
“أحيانًا لا. بعض الجوائز تُمنح لمستويات ضعيفة بسبب المجاملات أو المصالح. هناك خيانة أدبية حين يُمنح من لا يستحق. الكاتب الموهوب حين لا يُكافأ يشعر بالإحباط، والعكس حين يفوز من لا يستحق، يشعر بالرضا الزائف.”
هل الجوائز العربية كافية؟
“نحتاج لجائزة مصرية قوية تضاهي البوكر أو الشيخ زايد. وأقترح توزيع الجوائز على أساس جغرافي عربي، ثم اختيار جائزة فخرية. هذه الطريقة ستُظهر أكثر من كاتب عربي في نفس اللحظة.”
هل هناك شفافية كافية؟
“ليست دائمًا. فوجئت بجوائز تُمنح لأعمال متواضعة. لا يمكننا تجاهل تأثير الجهة الممولة أو خلفية المحكّمين. أحيانًا تُحرم أعمال ممتازة من الجوائز بسبب مواقف سياسية أو دينية.”
هل تحدث الجوائز حراكًا نقديًا؟
“أحيانًا، لأن الكاتب يُعاد قراءته بعد فوزه. لكن المعادلة معكوسة: في الماضي، كان النقاد يقدمون الكُتاب، الآن الجوائز تُقدمهم. ينبغي أن يستعيد النقد دوره.”
الروائي فتحي امبابي: الكاتب لا يحصل على حقه.. والجوائز مرآة للصراعات الاجتماعية والسياسية
هل الجوائز الأدبية مسيسة؟

“بالطبع، لأن الرواية تتناول الإنسان في سياقه الاجتماعي، بما فيه من صراعات طبقية وثقافية. وبالتالي، الجوائز قد تُستخدم أحيانًا لتوجيه الأدب أو تسويقه سياسيًا، كما حدث في القرن الـ18 والـ19 مع النظام الرأسمالي.”
هل السياسة والخلفية الثقافية تؤثر؟
“بالتأكيد. المؤسسة الممولة، ولجنة التحكيم، كلاهما يعكس توجّهًا سياسيًا أو ثقافيًا. جائزة نوبل نفسها لم تكن بعيدة عن ذلك.”
هل الجوائز العربية كافية؟
“لا، لأن أزمة النشر أعمق. في السابق كانت الطبعة الواحدة 3 آلاف نسخة، الآن قد لا تتجاوز 100 نسخة. الجميع يحصل على حقوقه عدا الكاتب. الجوائز وحدها لا تكفي، لا بد من منظومة نشر عادلة.”
خاتمة وتحليل: هل الجوائز الأدبية طريق للمجد أم مرآة للتناقض؟
من خلال هذه اللقاءات الثلاثة، تبيّن أن الجوائز الأدبية ليست مجرد أوسمة شرف تُعلّق على صدور الكُتّاب، بل هي انعكاس لصراعات أعمق، تمتد من الذائقة الفنية إلى التمويل، ومن الأخلاقي إلى السياسي.
أحمد صلاح هاشم رأى أن الجوائز تُخضع الفن لاشتراطات خارجة عنه، وأن صاحب المال غالبًا هو صاحب القرار. أما مصطفى سليمان، فأضاء زوايا أكثر حدة، من بينها المجاملة والخيانة الأدبية. فيما كشف فتحي امبابي الجانب المسكوت عنه من معاناة الكُتّاب، مؤكدًا أن البيئة الثقافية لا تكتمل إلا بجمهور قارئ وعدالة توزيع.
وبين تسييس، وتمويل، وذائقة، ومجاملات، يبدو أن الجوائز الأدبية ليست بريئة تمامًا، لكنها أيضًا ليست عدوًا مباشرًا. بل قد تكون ساحة معركة يتحرك فيها الإبداع حذرًا، يتطلع إلى التقدير دون أن يفقد استقلاله.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل نحتاج إلى جوائز جديدة أم إلى منظومة ثقافية جديدة؟
كلمة أخيرة.. بين الواقع والأسئلة المؤجلة
ما بين سطور هذا التحقيق، لم يكن الهدف فقط تفكيك بنية الجوائز الأدبية، بل تقديم قراءة معمقة وغير نمطية لمشهد ثقافي معقد، يراوح بين الحلم بالعدالة الإبداعية، وواقعٍ لا يخلو من التحيز والتدخلات.
من خلال أحاديث خاصة جمعتها خصيصًا لموقع “سالمينا”، مع ثلاث شخصيات بارزة من مشارب فكرية مختلفة – الناقد أحمد صلاح هاشم، والروائي مصطفى سليمان، والكاتب فتحي امبابي – تكشف هذه المادة عن زوايا نادرة ووجهات نظر تُطرح للمرة الأولى بهذه الجرأة والوضوح، حول تسييس الجوائز، وشبهات المجاملة، وحقوق الكاتب المهضومة، ودور رأس المال في صناعة الأسماء.
المقال لا يقدّم أحكامًا نهائية، بل يفتح بابًا أوسع للتساؤل:
هل نحتاج إلى تغيير شكل الجوائز؟ أم تغيير البنية الثقافية الحاكمة لها؟
وهل يمكن أن تصبح الجائزة يومًا انعكاسًا صادقًا لقيمة العمل، لا لمكانة صاحبه أو موقفه السياسي؟
في زمن يضيق فيه الهامش ويتسع الصدى، تظل الحقيقة الأدبية تبحث عن منبرها الحقيقي، وقد تكون هذه السطور خطوة أولى على الطريق.