Share

ماراثون الحناطير والكارو يغزو شوارع القاهرة

by ابرار أحمد · يوليو 17, 2025

سباق الكارو متعة مجانية

حصان السباق يلقى رعاية خاصة

سباق الكارو :متعة العربجية وإزعاج الأهالي

تبادل تملص من المسؤلية بين رئيسي حيي الخليفة ومصر القديمة

بعض السباقات سببت حوادث

تحقيق/ رابعة الختام

كان الليل يرخي ستائره والظلام يحكم قبضته على الموجدين، فتظهر الوجوه بظلها أكبر من حجمها الطبيعي والرؤوس تتعانق على الحوائط حتى انك لا تميز أصحابها بغير الأصوات التي تنبعث عنهم في فرح وسرور بعد صلاة العشاء حين يهرع كبار السن الى فراشهم وتغلق أبواب المنازل على ربات البيوت طلباً لدفئ الشتاء، أو نسمات الصيف الباردة، تستيقظ طائفة أخرى تجعل من ليل الشتاء وحر الصيف أمسيات دافئة يحلو معها السهر، فعربات الكارو والحناطير والكارتات تتجمع بشارع بورسعيد الواصل من منطقة السيدة زينب الى قرب ميدان العباسية في تجمع يؤكد أن الفرح رغبة عميقة لا تحتاج الى أموال. ويتكرر المشهد في عدة مناطق مثل مصر القديمة وخلف حديقة الفسطاط، وشارع البحر الأعظم، وكذلك المحافظات كالأسكندرية والدقهلية وبورسعيد وأسوان.

(ماراثون الحمير)

بشارع بورسعيد تتجمع العربات ويقف كل سائق الى عربته في سباق أشبه بالماراثون أو برالي السيارات الفارهة الذي تقام من أجله المسابقات الرسمية كل عام تصتف العربات ويتباهى “العربجية” بأحصنتهم وحميرهم التي يسونها بأسماء لها من الشهرة والجاذبية ما يشعل السباق مثل أسماء مشاهير الفن والكرة المصرية والعالمية، مثل ميسي، ابوتريكة، بركات ملك الحركات، الخطيب أو بيبو، المعلم (نسبة الى حسن شحاتة) وغيرها من الاسماء الفنية كالزعيم، والبرنس، نمبر وان، الساحر، فلانتينو.

وتبدأ مراسم السباق بوقوف الحناطير الكبيرة الخاصة بـ”معلمين المهنة” في الصف الاول ومن خلفها “الصبيان” بحميرهم، كالتزام أدبي وأخلاقي بألا يتخطى الصبيان معلميهم، ثم يتسابقون حتى منتصف الليل، هرباً من زحام النهار وتتبع السلطات “الشرطة والحي” لهم، في نهاية السباق يأخذ الفائز جائزة من الأموال التي تم جمعها من المشاركين مسبقاً، وبعدها يشتهر الحصان الفائز ويذيع صيته ويعلو سعره وتكون المسابقة بمثابة اعلان عن مهارات الأحصنة والحمير، وفرصة ترفيهية للتنافس بين أصحاب الحناطير والكارو فيما يشبه سباقات الاغنياء.

(متعة مجانية)

الى جانب الرصيف كان عم علي عبدالرحيم “عربجي” ستيني يتناول كوباً من الشاي الساخن وينفس دخان سيجارته فيعبأ الهواء من حوله، فجلست اليه أسأله عن هذا العرس المجاني لعرض مهارات الاحصنة ليقول: أنا سائق حنطور منذ نعومة أظافري لا أعرف غير هذه المهنة التي ورثتها عن أبي وأجدادي، ويقام هذا السباق بشكل دوري كمتعة مجانية ننفس بها عن أوجاع الشغل وأعباء الحياة فهي فرصة للفرح والسرور ولكننا للأسف نخشى دائماً من “الحكومة” وبتوع الحي، مع اننا لا نعمل شيئ خطأ وإنما نسعى للسعادة فقط، مستطرداً: هما مستكثرين علينا الفرح، يعني لو سباق سيارات الاكابر ينقله التليفزيون والجرائد تكتب عنه لكن لو كارو وحناطير يبقى تلوث.

أما محمد سمير “صاحب كارو” عشريني فيوضح أن هذا السباق ينقسم الى مشاركين ومتفرجين، الصنف الأول هم الأشخاص المشاركين بعرباتهم وأحصنتهم وحميرهم وقد يدفعون اشتراكات تقسم في نهاية السباق على شكل مراهنات للفائزين، والقسم الأخر هم المتفرجون وهؤلاء لا إلتزام عليهم مطلقاً فهم فقط يكتفون بالمشاهدة دون تحمل أعباء، وأحياناً يصطحبون أبنائهم وذويهم وأصدقائهم من باب المتعة الحية بعيداً عن مشاهدة فيلم سينما أو خروجة أصحاب أو قعدة قهوة.

وهذه السباقات كثيرة منها ما يتم في القاهرة ومنها ما يتم في المحافظات، وسباقات القاهرة أهمها سباق شارع بورسعيد بالسيدة زينب، وسباق حناطير وكارو عين الصيرة.

                                                (القاهرة تكسب)  

وعلى الجانب الأخر يجلس محمود عوض “عربجي مخضرم” يتناول كوب الشاي الساخن بسرعة تضاهي نار سيجارته التي تسابق الزمن حتى تنفض رمادها، حين سألته عن عمره ضحك قائلاً: ستين أو سبعين، يمكن ثمانين لا أعرف لكن الشباب شباب القلب، وأكمل، نحن نتسابق كل إسبوع خاصة يوم الأحد بعد صلاة العشاء حين تتجمع عربات الكارو وأصحابها في صفوف ويزين كل عربجي حصانه بالزينات والورود والشرائط الملونة، والأصل أن يكون الحمار أو الحصان وحده بالسباق يركب صاحبه على ظهره ولكن للأسف العربجية “بطرخوا” في اشارة من عوض الى امتلاء أجسام سائقي الكارو، كما أن هناك معلمين كبار السن لا يمكنهم ركوب الخيل أو الحمير لذلك يركبون العربات والحناطير، كما أنها تكون فرصة كبيرة لتجمع سائقي الكارو أو العربجية بشكل دوري للتعرف على مشاكلهم وايجاد حلول لها ومنها المشاكل الاجتماعية والمشاكل المهنية والوقوف الى جانب شباب العربجية.

وهذا السباق يقام في كافة محافظات مصر من الأسكندرية الى أسوان ولكن سباق القاهرة هو الأكبر والأقوى من حيث العدد وتجمع شيوخ المهنة أو معلمين الكار، كما أن سكان القاهرة يعشقون السهر ويحبون الليل ومنهم ستات بيوت ينتظرن يوم الأحد من كل إسبوع لمشاهدة مهرجان الخيول والحمير ومنهم من يصطحب أبنائه للتنزه في الشارع أثناء إجراء المارثون ومنهم من يجلس في بلكونة منزله يتابع الحدث، وأحياناً نسمع هتافات الناس من البلكونات لتشجيعنا وينادون على الأحصنة بأسمائهم ويطلقون الصافرات والبعض ينزل ويهادي الحصان بقطع السكر أو نساء مصر القديمة وحي السيدة يجاملون الجمع بصواني الشاي أو صواني الكيك المنزلي.

(رعاية خاصة)

أما عبدالرحمن عبدالواحد عربجي أربعيني فيقول: الناس فاهمين غلط أحنا لا نقوم بهذا السباق لللعب ولكنه أكل عيش الى جانب الترفيه فالحصان الفائز يعلو سعره ويتمكن صاحبه من بيعه بسعر أعلى على الرغم من كونه حصان بلدي وليس فرس عربي أصيل كتلك الخيول العربية الموجودة في مزرعة الخيول بمنطقة جسر السويس ولكنه يحظى بمعاملة خاصة فمثلاً صاحب العربة لا يثقل عليه في الشغل وانما يريحه ويقدم له طعاماً مختلفاً ورعاية طبية دائمة وخاصة في فترة السباق ويداوي جروحه ويقوم بإعطائه أدوية بيطرية لتغذيته والحفاظ على لياقته، وقد يرغب أحد الشباب في شراء خيول السباق لقدرتها وتدريبها ويصل ثمن الحصان الى ثلاثون جنيهاً والبغل من عشرة ألاف الى عشرين ألف، أما حصان الشغل “المتبهدل” فلا يتخطى سعره سبعة ألاف جنيه. ويحضر الكثير من سماسرة الخيول الذين يكونوا في معظم الأحوال سفراء لبعض الأغنياء للبحث عن فرس “لقطة”

هدى محمود موظفة من سكان شارع بورسعيد تشكو من هذا السباق الذي يسبب المشاكل والخناقات خاصة وأن معظم العربجية حسب وصفها همجيين وبلطجية وقد يقومون بسرقة المارة الذين لا يستطيعون الفرار وسط هذه الحشود وخاصة أن الشرطة والحي لا يمنعون ذلك السباق العشوائي كما يصعب دخول أحد وسط هذا التجمع الهائل من البشر والعربات كما أنه يجلب الصخب والأصوات العالية وتزداد خطورة الوضع مع الموسم الدراسي وحاجة الطلاب للهدوء والتركيز، ولا يراعون المرضى وكبار السن بل يحدثون الجلبة والضوضاء معلقة بشكل تهكمي ساخر (وكأنما لديهم رالي الفراعنة).

(خروج من العزلة)

أما الحاجة أم حسن ربة منزل عجوز فتقول: أنتظر يوم الأحد وأعد لنفسي كوب شاي وبعده فنجان قهوة وأجلس في شرفة منزلي أستمتع بالمشاهدة وأتابع السباق ولفاته وفترات الاستراحة التي تعطى للحصان وكأنه حلبة مصارعة، وأحياناً في ليالي الصيف أجلس أمام منزلي في الشارع على كرسي خشبي أتفاعل مع الحدث عن قرب، ولا أرفضه بل أفرح به كوسيلة لخروجي من العزلة بعد زواج الأبناء وموت الزوج.

وكذلك الحال مع الحاج فتحي محسن الذي يشاهد السباق من البلكونة خشية الاحتكاك من قرب ولكنه على كل حال يستمتع به ويعتبره وسيلة للترفيه.
وتستمع القرى الريفية بشكل خاص بمثل هذه السباقات، بل تقام سباقات الحمير بين الشباب بشكل رائع يحمل الكثير من مظاهر البهجة والسعادة والفرح.

ويعد سباق مصر القديمة الذي يقام يوم السبت هو الأشهر كون عربجية مصر القديمة هم ملوك المهنة كما يصفون أنفسهم ويبدأون التجمع في الثامنة مساء خلف حديقة الفسطاط ولكن نتجت عن هذا السباق عدة حوادث تاولتها وسائل الإعلام على إستحياء وبشكل عابر على الرغم من أن أصابع الإتهام تشير فيها لتجمعات العربجية في سباقهم الإسبوعي. وأهمها حادثة مصرع سيدة وطفلها ولكن منطقة السباق حائرة في تبعيتها بين حي مصر القديمة وحي الخليفة.

(قضية تبعية الشارع)

وفي تصريحات صحفية ألقى رئيس حي مصر القديمة بالمسؤلية على حي الخليفة حيث يقام السباق في شارع جانبي يسمى عين الحياة وليس شارع الفسطاط الرئيسي كما هو شائع مع إبدائه الإستعداد للتعاون مع حي الخليفة للقضاء على الظاهرة التي تؤرق الأهالي وتكدر الأمن.

وبدوره أكد رئيس حي الخليفة بأن السباق يقام بشارع الفسطاط الذي يتبع حي مصر القديمة كلية أما شارع عين الحياة فهو يربط ما بين حي الخليفة ومصر القديمة ولا علاقة له بالسباق من قريب أو بعيد مؤكداً أن حي مصر القديمة كانت له صولات وجولات في هذا المضمار وسبق وتعاون مع الشرطة التي ألقت القبض على عدد من العربجية ومصادرة عرباتهم وخيولهم وتحويلهم للنيابة العامة وتغريمهم مبالغ مالية لردعهم دون جدوى، وعاودوا الكرة أكثر من مرة دون أن يتصدى لهم أحد.

وتقوم على مراهنات مالية كبيرة مما يثير الحماس لزيادة السرعة وإحتدام المنافسة ويصعب التحكم في سرعة العربات مما يهدد حياة المارة بالخطر وهذا ما تسبب في الكثير م الحوادث، وبداية الأمر في تلك السباقات كانت بغرض تجاري للبيع والشراء قبل أن تتحول لسباق يشعل روح التنافس ويقوم على المراهنات المالية ويزهق أرواح أبرياء أو ينتهي بمشاجرات ومهاترات.

You may also like