بقلم د/ أحمد صلاح هاشم

تزكمني رائحة “شات جي بي تي” في كل ما أقرؤه وأطالعه، صار –في الفترة الأخيرة- كما لو كان دعاية انتخابية، أو مقرَّرًا دراسيًّا، لا تخلو منه تعليقات وسائل التواصل الاجتماعي، ولا حتى رسائل الحبِّ الليلية، تجده في الإعلانات الدعائية، والإبداعات الحديثة.
أضف إلى ذلك أنني مصاب بلعنة التمييز، في عصر الغثاثة والتسرُّع وعدم (الاستطعام)، أعرف بصمة الذكاء الاصطناعي، وأسلوبه المميز، وطريقته في التعبير.
وفي زمنٍ صارت به الآلة قادرة على كتابة الشعر، وتحليل الخطاب، وإنتاج مشاهد سينمائية، ومخادعتنا بنصوصٍ تجتاز اختبار “تورينغ” أصبح الإبداع الحقيقي أكثر ندرة من الكبريت الأحمر، مما دفعني للتساؤل حول حدود الآلة في المستقبل، وكيف يمكن للكتابة (شعرًا – نثرًا خاطرة مسرحًا) أن تتفوق، وتثبت أقدامها؟!
تبرز رواية “المهاجر سين” لشريف العصفوري في جزأها الثالث شاهدًا على ما لا تستطيع الآلة أن تقدمه: الحياة كاملةً بتشابكاتها وبساطتها في آن!
منذ العنوان، نقع في الخداع، الذي هو خصيصة الكاتب المتقن، يُراوغنا العصفوري بوضعه “رواية”، على غلاف العمل، مع أنه يخرج عن هذا التصنيف بكثيرٍ من الحنكة. العمل أشبه بمزيج جديد من التجريب، يعانق السيرة الذاتية حينًا، والسيرة الغيرية حينًا آخر، ويتماهى مع القصّ والتأمل والفلسفة والسينما كثيرًا، حتى يكاد يُصبح جنسًا أدبيًّا خاصًا.
أما “سين” هذه التي خرج بها إلى فضاءات الرمزية، فقد تشي بالرمز الهندسي على أنها تحل محل أي شخص، وتكافئ الضلع الناقص (الإنسان) في مواجهة السفر، إنها رمز تشييئي يُبعد الذات عن عين القارئ، ويغلفها بحرف، لكنّه لا يقلّل من حرارة البوح، بل يمنحه بعدًا تأمليًّا.
أما كيف ينتصر الإنسان على الآلة؟
فأولًا: بامتلاك أكثر من حقل معرفي
قد تبدو الكتابة فعلًا شديد الإخلاص لغواية اللغة، لكن في زمن تشابكت فيه الحقول المعرفية، وأضحت التخصصات البينية Multidisciplinary هي الواجهة العلمية الأكثر اتساقًا مع روح العصر، صار القلم في احتياج إلى رافعات من مجالات متعددة تخرجه من فجاجة التخصص الأحادي. والعصفوري، في «المهاجر سين»، يهندس الجملة كمجسم رياضي، ممسرحًا حركة الضوء في اللغة، وهو بالإضافة إلى ذلك سينمائيٌّ يتعامل مع اللحظة ككادر حي، ومثقفٌ موسوعيٌّ يسكب كل هذا في قوالب سردية نابضة.
تشبه الكتابة معه حالة تركيب عضويّ، أشبه ببنية سردية متأججة الحركة، ديناميكية؛ فمشاهد البحر والغروب والكاميرا تمثل أدواتٌ للغوص في الداخل، ولقياس الانفعال، وضبط الإيقاع النفسي، واستحضار الزمن في هيئة صورة. فلا عجب أن تتجاور الفيزياء (كما في شرح عدسات الكاميرا)، مع التأريخ (المكارثية، واغتيال السادات)، إلى جوار الفلسفة الأخلاقية (الاعتراف بالذنب النازي)، في مشهد سردي واحد.
بهذه التداخلات المتعمدة، وتشابكات خيوط «الكرة الشراب» التي تغازل سكناه الأول، يتجاوز الكاتب حدود الآلة التي لا تزال تفكر بشكل خطيّ أو احتماليّ، بينما يفكر المبدع (العصفوري هنا) أفقيًّا، وعموديًّا، وبـ«الورب»، وينفذ إلى دواخل النفس.. الإنسان لا الآلة قادر على ربط رصاصة من فوَّهة بندقية بأزمة الشيوعية بحادثة شخصية عن امرأة حبلى تركها وراءه. على أن المعرفة لا تعني في هذا السياق تكديسًا، بل امتصاص وتحويل، فاللغة لم تعد الهدف، وإنما رجعت لوظيفتها التواصلية الأداتية، بوصفها حقلًا ضمن حقول أخرى لا يقوم العمل عليها وحدها!
وبصراحة، فإن الكتابة التي لا تنبع من هذا التكثيف المعرفي لن تصمد بحال أمام تقليد الآلة، بل تُشبهها في البرودة والتكرار. أما كتابة العصفوري، فمشغولة بتوتر الإنسان، وبارتباكه الحياتي ومفارقاته التي يصنعها عامدًا أو غير عامد، وذلك بنزقه وشفافيته، وحمقه أحيانًا، وقدرته على أن يرى العالم من عشر زوايا ثم يختار أن يكتبه من زاوية واحدة فقط.
ينتصر الإنسان إذًا بالنقائص، لا بالاكتمال، وبفضح ذاته، وليس عبر تمجيدها بحال، بأن يكون مثالًا لمنظومة قيم وأخطاء، لا ملائكيًّا ولا طوباوية أو مثالية مفرطة!
وثانيًا: عبر المراوغة الذكية
ولا تعني المراوغة هنا الانفلات من متابعة القارئ والهروب منه، بل هي أشبه بدهاء أسلوبي يماثل حركات الساحر المباغتة من أجل تغييب الحقيقة عامدًا لفتح المجال أمام خفة اليد. العصفوري، في «المهاجر سين»، ينسف من العتبة الأولى يقين التصنيف؛ يضعنا أمام عملٍ يُسميه “رواية”، لكنه يُفكك هذا الوصف في سطوره الأولى. فنكتشف أننا أمام نصٍّ متعدّد الوجوه، ينفتح على السيرة، ويغازل فنّ الاعتراف، ويتقمص هيئة القصّة القصيرة، بل ويقترب أحيانًا من السيناريو السينمائي أو اليوميات الفكرية.
ربما لأن التصنيف لا يعنيه، أو أن حرية الكتابة تضادّ الأطر، يُقنعنا الكاتب أنه يكتب عن غيره، ثم يُسقط فجأة جملةً شخصية تُربك السياق: “كدتُ أقتل أحد المتنمرين في المدرسة… سعدت بسمعتي الجديدة لأنها مكنتني من فعل كل ما أريد”. هنا تتحوّل الغيرية إلى ذات، ويتسلل صوت الكاتب من ثقوب النصّ.
هذه المراوغة تُنتج ضربًا جديدًا من الصدق: ليس صدقًا توثيقيًا بل صدقًا تخييليًّا، يُقنعك بواقعيته لأنه لا يُسلّم لك كل شيء. كأن الكاتب يقول: “إن ما أُخفيه أكثر أهمية مما أُصرّح به، فاستدلّ عليه بذكائك”.
الآلة لا تُجيد هذه المراوغة؛ لأنها تعتمد على الصراحة المعلوماتية. أما العصفوري، فيُمارس المواربة الفنية، يضع القارئ على الحافة، يجعله يتساءل: هل هذه سيرته فعلًا؟ أم أنها خدعة أخرى في متاهة المرايا؟
أتكون وسيلة متعمّدة لتشتيت القارئ؟ هكذا تشتغل الرواية لا على بناء الثقة، بل على زعزعتها، فتصنع علاقة جديدة بين المتلقي (معهود الكسل) والنص: علاقة الشكّ الجميل، واليقين المُعطَّل، والتصديق المشروط، وكلها مفاتيح لا تُفتح إلا بيد المبدع الحقيقي؛ كاتبًا ومتلقيًا!
أما ثالثًا: فبفيض التجربة وزخم التفاصيل
الآلة – مهما أوتيت من ذكاء – لا تستطيع أن تخلق تفاصيل لا تُنسى من فراغ؛ لكنها تُعيد تركيب «الداتا» المخزّنة، ببساطة هي تقلِّد (Imitate) ولا تخترع (Creat). أما العصفوري، فهو لا ينطلق من تجارب أخرى معلنة أو معروفة أو يعيد توليف ما هو موجود، وإنما بحذر؛ فيمزج عناصر جديدة لصنع مركَّب غير مسبوق. كل جملة عنده مشبعة بتفاصيل تنتمي إلى حياةٍ عاشها أو عاشها غيره وذاب فيها حتى صار مرآةً لها، لكنه لا يقلدها أو يستنسخها، وإنما يستخرج الحالة الإنسانية منها، ويعيد تخليقها وفقًا لمتطلباته الروائية.
في فقرةٍ واحدة، يصف رحلة تصوير غروب البحر في بورسعيد، لكن المشهد يتحوّل من ذكرى بصرية إلى نشيد داخليّ ينبض بالشوق والمهارة والعين المدرَّبة:
“كنت في حُلّة جميلة من الصوف، وقميص مشجَّر من الحرير، جمعت بين قرص الشمس وزرقة مياه البحر التي تحولت إلى لون داكن، اقترب اللون من البني حتى صار أسودًا بدرجة من الأصفر…”.
يمكننا أن نلمح «باليتة» ألوان، فالوصف هنا يتجاوز التعريف الفوتوغرافي للمشهد ليصبح حالة تكثيف للحنين والذائقة والحضور الجماليّ. التفصيل في نسيج القماش، في لون البحر، في كيفية التقاط الضوء، دالّة على أن المتكلم ليس آلة، بل إنسانٌ يتذكّر ويشتهي ويختار.
ثم تتصاعد التفاصيل إلى الحديث عن حساسية الفيلم، وزمن التعريض، واتساع فتحة العدسة… وهي مصطلحات تقنية دقيقة، لكنها مغموسة في إحساس. هذا التمازج بين التقنية والعاطفة ما يجعل المشهد صادقًا، وفريدًا، والفرادة صفة بشرية لازمة للإبداع، فرادة الفكرة أو الأسلوب أو حتى زاوية العرض.
تُراكم التفاصيل بذلك يتجاوز الوظيفة التزيينية الإبلاغية للغة ليصبح استعادة، وتصبح معه الرواية تمرينًا طويلًا على مقاومة النسيان. وكلما ازدادت التفاصيل، ازداد حضور الإنسان داخل النصّ، في مقابل حضور الآلة داخل المنطق.
ورابعًا: بالعشوائية الخلّاقة وأخطاء البشر النبيلة
في مواجهة الآلة، لا تُعدّ الأخطاء نقطة ضعف؛ بل هي، في بعض السياقات، علامةُ حياة. وصورة من النقائص البشرية التي أشرنها إليها.
وكان نزار قباني قد كتب للمحرر اللغوي في مجلة العربي عام 1989 مقالًا شديد اللهجة، يدعي فيه أنه قتله لمجرد امتداد اليد بالتصحيح والتحرير والضبط. إن أخطاء نزار (كما كان سابقًا لعصره) بصمته الخاصة، ودليل وجوده!
بالطريقة ذاتها لم يسع العصفوري للكمال المصطنع، ولا ينقّح نصّه ليصير بلا هفوات، بل يدع فيه أثر الارتباك الإنساني، والسرعة غير المتعمدة، والقرار الذي لم يُراجع طويلًا، ليصير ذلك كلّه جزءًا من روح العمل، وصورة دالّة عليه.
والعجيب أن تلك الأخطاء لا تُفسد النص، وإنما تمنحه مصداقية إضافية. كأن الكاتب يُقرّ لنا ضمنًا بأنه ليس «روبوتًا» صقله برنامج معدّ مسبقًا، بل إنسان يكتب في لحظةٍ محتدمة، بلغةٍ نابضة، وبعقلٍ تتصارع فيه السرعة والندم والرغبة في الالتقاط قبل أن تفلت الفكرة. هذا ما لا تتقنه الآلة، التي قد تُحاكي العبقرية، لكنها لا تعرف معنى أن تندم على جملة، أو أن تترك فاصلة في غير موضعها لأن العقل ارتبك بالمعنى ونسي اللغة، أو العاطفة زادت على صوت النص فأضعف الأخير!
إن الفارق الجوهري هنا هو أن الأخطاء في الآلة عيوبُ نظام، أما الأخطاء عند العصفوري فهي جزء من صوت الكاتب، ومزاجه، وحرارته السردية.
بل إن بعض هذه الهفوات تكون بمنزلة انزلاقات أسلوبية تكشف طبقة خفية من النفس: فحين لا يُعيد الكاتب صياغة جملةٍ بها قدر من التهوُّر العاطفي، فإنه يُقرّ بضعفه، ويُعلن مشاركته لنا كبشر، لا كراوٍ متعالٍ. وهنا بالضبط يكمن ما لا يُبرمج.
الأدب العظيم لا يُكتب بالقواعد وحدها، بل بالخلل العارض، وأيضًا بالإيقاع الذي يكسر التوقع، وبالهفوة التي تُعيدنا إلى الجذر البشري للنص. وهذا ما يجعل “المهاجر سين” عملًا إنسانيًا بامتياز.
وما يَحسبه البعض خطأً في منطق السرد، أو انقطاعًا في التسلسل، هو في الحقيقة ضربٌ من التجريب الواعي: ترك الفكرة تنزلق إلى حيث تشاء، دون أن يُعقّب الكاتب على انفلاتها، لأنه يعرف أن هذا الانفلات بالذات، هو ما يُبقي العمل حيًّا. لكنه يعود للإمساك بها، واستكمال القصة عبر فيلمين أو ثلاثة أفلام.
وخامسًا: بتعدد البنية السردية وتنوّع العلاقات مع الفيلم
لا يلتزم «المهاجر سين» بنمط سردي واحد ثابت، لكنه يفضل الانسياب بين الفصائل المتعددة، فأحيانًا نقرأ سردًا يشبه الفيلم، حيث تُسرد مشاهد حية، مؤثرة، كأننا أمام سيناريو مصور ينبض بالحياة. وأحيانًا أخرى تتحول الكتابة إلى تأملات فكرية أو ذكريات متفرقة، تحمل طابع الخاطرة أو اليوميات.
لكنه لا يشتت القارئ وإنما يسعى إلى نمط من أنماط الحكاية الكليلية (في كليلة ودمنة) حيث يصير التشابك بين الحكايات نوعًا من الاستطراد المستحسَن. في بعض اللحظات، يستدعي الكاتب الفيلم نفسه كإلهام مباشر، كقصة تنبثق من رحم صورة سينمائية، كما في قصة «كائن لا تُحتمل خفته» المأخوذة من الرواية الخالدة لميلان كونديرا، التي تستقي من أحداث واقعية وتحولها إلى سرد فني.
ونمط الحكاية داخل الحكاية (يشابه فيلم inception في حلم داخل خلم) بما يمكن تصنيف النص عبره بأنه ثنائي الجنس: فهو رواية وسيرة، وكذلك نص وسينما، أيضًا واقع وخيال، وبالإضافة لكل ذلك هو فيلم داخل فيلم، وهذا التمازج بين البنى يُشكّل نوعًا من الحوار الدائم بين النص والصورة، بما يُعمّق تجربة القارئ ويجعله شريكًا في خلق المعنى.
القدرة على التنقل بين الأشكال والسياقات تمنح العمل حيوية في مواجهة حقيقية مع الآلة، التي تفتقر إلى هذا التداخل، وتميل إلى استنساخ نماذج جاهزة منطقية مؤطرة، لها بدايتها ونهايتها، ولا تصنع حالة من تشابك «سلك السماعة» التي قد تحيل إلى الفوضى، لولا دربة الكاتب المحترف!
فذلك الأسلوب الاستدراكي عند شريف العصفوري لا يغلق الأبواب أمام القارئ، ولا يترك السرد ليسير في خط مستقيم واحد، بل يتعرج؛ يعود إلى الوراء، يستدرك تفاصيل معلقة، أو يُدخل قصة في قصة (كما أسلفنا)، فتتسع دائرة النصّ لتشمل حياة غير الكاتب، وشخوصًا أخرى، وأحداثًا تبدو أحيانًا هامشية، لكنها تكشف عن أبعاد إنسانية أعمق.
وسادسًا: عبر التاريخ والتناصّ الذكيّ
لا يغيب التاريخ في هذه الرواية السيرية، بل يتحول إلى شخصية حيَّة تواكب سير الأحداث، وتضفي عمقًا ومصداقية على السرد. يحرص الكاتب على استحضار فترات مفصلية، مثل الحقبة المكارثية في أمريكا، والموافقة الأمنية على استخدام الآلة الكاتبة في الخمسينات بمصر، أو حتى اغتيال الرئيس السادات، لتشكيل خلفيات زمنية مزخومة بالدلالات والرموز.
التناصّ الذكي مع أفلام مثل «الرقص مع الذئاب» أو «الفصيلة» لا يقتصر على الإشارة، بل يشكل تواشجًا بين النصوص، يعزز الموضوعات الكبرى، مثل الرجولة، والبطولة، والتاريخ السياسي.
الآلة هنا تفتقر إلى الحس العميق بالزمن المركب وبأبعاد التناصّ الثقافي، ولا تستطيع أن تدمج هذه العناصر في نسيج سردي مُنسجم ينبض بالحياة.
سابعًا: من خلال تلامس الحواس والموسيقى كعناصر سردية
في عالم “المهاجر سين”، لا يقتصر السرد على الكلمات وحدها، لكنه يتعدى إلى فضاءات الحواس الخمس التي تصنع من التجربة الإنسانية لوحةً متكاملة من الألوان والأصوات والروائح مع الحركة. الكاتب هنا لا يكتفي بوصف الحدث أو الشخصية، بل يغوص في عمق الإحساس، ليجعل القارئ أكبر من متلقٍّ جامد، بل مشارك حسي في خلق المشهد.
تُستدعى الموسيقى في هذا النص بوصفها صوت خلفي (موسيقى تصويرية للنص مما يعزز التشابه بين الرواية والأفلام)، بل شخصية فاعلة تحمل حمولة عاطفية وفكرية. موسيقى ماركوني في «الإرسالية»، تتداخل مع المشهد الروائي لتشكّل جسرًا بين اللحظة الفنية والرسالة الداخلية للنص، وتعمل كنبضٍ يربط بين الزمن والمكان والمشاعر.
إضافة إلى الموسيقى، تستثمر الرواية في حواس القارئ المختلفة، من رؤية الألوان المتغيرة لغروب الشمس، إلى ملمس القماش الذي يرتديه الكاتب، إلى رائحة البحر التي تملأ الفضاء الروائي. هذه الحواس تُجعل من النص تجربة عيش حقيقية، حيث لا يقرأ القارئ فقط، بل يشعر ويتذوق ويشم ويرقص على أنغام النص.
كما لا يغفل الكاتب أيضًا عن أهمية الإيقاع الداخلي للكلمات، الذي يشبه الإيقاع الموسيقي، فهو يتحكم في سرعة القراءة، وينقل التوتر أو السكون، ويمزج بين الصمت والضجيج اللغوي، بما يجعل النص حالة قرائية متكاملة، يعكس ذلك قدرة الإنسان على استحضار العالم بأبعاده المتعددة، ويُبرز الفارق الكبير مع الآلة التي تعمل بخوارزميات لا تعرف الإحساس أو الارتجال الحسي.
ثامنًا: بالارتباط العصري والفني وعلاقة العمل بـ«أبولمعة»
يرتبط «المهاجر سين» بعصره بعمق، فلا ينفصل عن التحولات الثقافية والفنية التي تعصف (وعصفت من قبل) بالعالم. في هذا الإطار، تظهر علاقة العمل بـ«أبو لمعة» (الكوميديان الستيناتي الذي كان مديرًا في التعليم) كصِلة وصل بين روح الرواية وتجارب الفن العربي التي يُعد شريف العصفوري آخر رجالها المخلصين.. بما يجعل من السرد حالة من حالات البوح، الذي كان يقدمه محمود السعداني، لكن بمنتهى الخلوص الروحي (فيما أرى) يتجاوزه شريف العصفوري بعمق الموضوع، في الجزء محل الدراسة.
يستحضر الكاتب هذا الارتباط ليضع عمله في دائرة نقدية ذات بُعد تاريخي، حيث يتحول النص إلى مرآة تعكس انشغالات الفنان المعاصر وصراعاته بين الأصالة والتجديد، بما يصعب على أي آلة أن تلاحقه! فلا تمتلك آلة حساسية ربط النص بالتراث بمثل هذه الصورة، ولا القدرة على تجسيد هذه الشبكات المعقدة من المعاني الثقافية والفنية التي يشيدها الكاتب ببراعة.
تاسعًا: التحفُّظات الذكية واللغة السياسية الدقيقة
ولا يغيِّب العصفوري الحس السياسي من روايته/ نصِّه، لكنه لا يطرحه بوقاحة أو مباشرة، بل يتخفى في ثنايا النصّ بحذر متقن، كأنه سطر مخفي لا يُكشف عنه إلا بتسليط الضوء الشديد على بؤرة محددة، كما يقدم التحفُّظات بوصفها تكتيكًا سرديًا، وكذلك منهجًا ذكيًّا في التعامل مع موضوعات شائكة ومعقدة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالقوى الكبرى والمواقف الدولية الحساسة.
فعندما يتحدث النص عن «الشيطان الأكبر» في فيلم «الفصيلة»، يُسمي الاتحاد السوفياتي صراحة، لكنه لا يُترك المجال للقرّاء لفهم السياق السياسي دون الحاجة إلى التصريح المباشر، خوفًا من إثارة ردة فعل أو إرباك في فهم النص. فيؤكد أن هذا المصطلح يعني في هذا المقام الاتحاد السوفياتي، لكنه إن قيل على لسان إيران فالمقصود به الولايات المتحدة. هذا الاحتراز يعكس وعيًا سياسيًا عميقًا يدمج بين ما يُقال وما يُترك، على ما لا تقدر عليه الآلات الحديثة!
اللغة السياسية هنا مُحكمة، تحمل في طيّاتها رسائل متداخلة، لا تطرح فقط قضايا الماضي (مثل حقبة المكارثية أو الحرب في اليمن)، بل تسائل حاضر الواقع المعاصر، مع تجنب الوقوع في فخ التعميم أو الانحياز الصريح. الكاتب لا يفرض وجهة نظره، بل يفتح حوارًا ضمنيًا، ويُهيئ القارئ لأن يكون جزءًا من التفكير، لا مجرد متلقٍ سلبي.
هذه «التحفُّظات الذكية» تُظهر مدى وعي الكاتب بتعقيدات السياسة والذاكرة، وتمنحه قوةً سردية لا تُضاهى، إذ يجمع بين الحكي الفني والوعي السياسي، ويُبدع في استخدام الغموض كأداة دفاع وهجوم في آن.
أما الآلة، فهي تفتقر إلى هذا الحس الدقيق بالسياسة وتحفظاتها الدبلوماسية مع هذا التنوير التاريخي، ولا تستطيع أن توازن بين الصراحة والتلميح أحيانًا (وإن كانت تطور نفسها في هذا الجانب)، فتظل (حتى اللحظة) سرديتها جامدة، بدون حضور إنساني حي.
عاشرًا: الحديث عن الرجولة ودور السينما في صناعة التاريخ
لا تغيب قضايا الذكورة والرجولة عن النصّ، فهي جزء لا يتجزأ من النسيج السردي والموضوعي للعمل. السينما، بكونها وسيطًا بصريًا قويًا، تلعب دورًا محوريًّا في تشكيل هذه المفاهيم، بوصفها صانعةً للذاكرة الجمعية وللأدوار الاجتماعية.
يستدعي الكاتب أفلامًا مثل «الفصيلة» ليتناول كيف تُصور السينما الرجولة بأساليب متعددة، بين البطولة العنيفة والتأمل النفسي، مما يُبرز تعقيدات الهوية الذكورية في سياقات الحرب والتاريخ. السينما بذلك لا تعمل على السرد البصري ومشاغلة الحين قدر ما تعمل على إعادة كتابة التاريخ (بصياغة بصرية) لتُحدّد مَن يكون البطل، وما هي قيم الرجولة التي تُحتفى بها.
فلم تعد الرجولة مكافئة للقوة الجسدية، بل أضحت مزيجًا من القيم الاجتماعية، النفسية، والسياسية التي تتغير عبر الزمن والمكان.
والآلة، رغم تقدمها، لا تملك القدرة على هذا النوع من التحليل المركب، ولا تستشعر التداخل الحساس بين الفن والتاريخ والهوية، الذي يُشكّل جوهر هذا النقاش.
أخيرًا: بكسر التابوهات في النصّ
يمتاز النص بجرأته في معالجة التابوهات التي تكاد تحيط بالحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، ليكشف كيف تتداخل الحدود بين الممنوع والمباح في مساحة النص الروائي. التابوه الديني يتجلى مثلاً في تعارض مفهوم «جزية الذمي» مع «قبول الدعوة»، يتعامل معه الكاتب بحذر مدروس، حيث لا يُطرح للنقاش بشكل صريح وإنما عبر إشارات ذكية تُحفّز القارئ على التفكير الذاتي، وتثير التساؤلات حول مفاهيم التسامح، مع الاختلاف والهوية الدينية.
أما التابوه التاريخي، فيتجسد في طرح قضايا، مثل اغتيال السادات، وهو موضوع حساس في التاريخ المصري الحديث، يُناقش دون تصادم مباشر، بل بتوظيف ذكي لتفاصيل تتقاطع مع الذاكرة الجماعية، وتفتح باب التساؤل حول حدود التاريخ المسموح به وكيفية استدعائه في الفن والأدب.
لكن ثمة تابوه فكري، وهو الأكثر إشكالية وتعقيدًا، يعالج فيه الكاتب مثلًا سؤال الاعتراف بالجرم النازي في استهداف اليهود والغجر والسلاف، في سياق موقفه النقدي من الذاكرة التاريخية والعدالة، طارحًا تساؤلاً عميقًا: لماذا لا نعترف بالجرم إذا لم نكن مطالبين بدفع تعويضات؟ وكيف نواجه مسؤولياتنا التاريخية كمسلمين ومصريين في ضحايا الكولنيالية، وفي نفس الوقت كجناة على جيراننا من غير المسلمين والعرب على مرّ القرون؟ هذا سؤال يفتح الباب أمام استعادة الوعي والضمير في العصر الحديث، ويجعل الرواية فعلًا نقديًّا إنسانيًا فذًا، ويحكي عن انعدام الصلف، وتواضع الكاتب إزاء مسؤولياته التاريخية!
التعامل مع هذه التابوهات يُظهِر شجاعة وعبقرية في الموازنة بين الصراحة والتهرب، ليبقى النص مفتوحًا على أكثر من قراءة، ويُحفّز النقاش الاجتماعي والفكري بعيدًا عن الأحكام المُسبقة.
الآلة، مرة أخرى، تعجز عن فهم هذه الدقائق الدقيقة التي تشكّل الخطاب الأدبي السياسي والاجتماعي الإنساني الهادف للوصول (أي وصول وكل وصول)، فهي مفتقرة إلى حساسية الصمت والكلام في آن، فلا تقدر على افتعال الغموض، أو السؤال عن المسؤولية.
كل هذه النقاط مجتمعة تقدم لنا (في رأيي) مجالًا خصبًا لاستشعار التفوق الإنساني في السرد أمام كل ذكاء اصطناعي، ويعيد موضعة الإنسان في دائرة الكتابة لا مقابلًا للآلة ولا بديلًا عنها، بل متفرد ببعد تقدمه المساحة الإبداعية من جهة، والوعي الذاتي بأهمية الحديث البشري في إعادة الذات إلى الجمال، أو الجمال إلى الذات.. لا يهم!