Share

علياء هيكل تجول العالم بقارئها في رواية الخروج من البئر

by Sallmina · يوليو 8, 2025

كتب/ الغربي عمران

دوماً ما يركز الكتاب على أن يكون عنوان أي عمل إبداعي معبراً عن المحتوى، وأجزم بأن العنوان ولوحة الغلاف كل منهما عمل فني قائم بذاته وليس بالضرورة أن يعبرا عن مضمون العمل. بين يدينا رواية “الخروج من البئر” صادرة عن دار الفؤاد، القاهرة، 2025. والفائزة في إحدى دورات جائزة الطيب صالح العالمية. رواية من 300صفحة، توزعتها خمسة فصول: أيام الفزع 44 صفحة، أيام التيه 165 ص، عقاب أم اصطفاء 40 ص، الطريق نحو الأعلى55 صفحة. في رواية الخروج جاء العنوان متصلاً بأولى صفحاتها، فما إن بدأت بقراءتها، حتى تجسد لي في أولى صفحاتها أي بئر قصدته الكاتبة من خلال الوصف التالي “عند دوي الانفجار، اهتزت نوافذ المنازل وجدرانها، فقرص الهلع الجميع، هرولوا حفاة بملابس النوم يتلفتون نحو مصدر الانفجار، مطالعين بين حين والآخر عمود دخان أسود “. هنا وصف لحدث مدمر، والوصف من سماتها الأساسية، فهي وصفية بامتياز، هنا تصف حالة الذعر الذي حدث جراء انفجار في أحد منازل مدينة “ستانلي” أثناء احتفال أسرة “سارة” بعيد ميلاد الجد، وفيما هم يغنون حول تورتة الشموع، انفجر شيء ما في البيت، تلاه حريق، أصيبت سارة إصابات بالغة نقلت على إثرها إلى مستشفى المدينة، وبعد أن استعادت وعيها تصف الكاتبة حالتها النفسية: ” أريد أن أخرج من هنا لأراهم..

ـ ارتاحي من فضلك فحالتك لا تسمح.

ـ أريد أن اراهم.. قالتها وهي تنظر بركن عينيها للطبيب الواقف من الجهة الأخرى.

ـ سارة لقد تم كل شيء، ارتاحي الآن.

ـ وماذا تعني بأن كل شيء تم؟.

في أسى يتطلع إليها الطبيب ومساعده والممرضات.

ـ هل تعني أنهم.. دُفنوا! تقصد أن ذلك لم يكن كابوساً…!”

سارة من سكان مدينة “ستانلي”، بجزيرة “فوكلاند” إحدى جزر أرخبيل الأطلسي، المقابل للأرجنتين، هجرها زوجها “سيث” وغادر الجزيرة منذ سنوات، وحتى أعز صديقاتها “روزالين” هاجرت إلى الارجنتين، وراسلتها تخبرها بأنها تزوجت من فنان، وتعمل معه في المسرح. بعد أن شفيت خرجت من المستشفى، وقفت أمام بيتها، وقد تحول إلى كومة خراب، وجدت نفسها وحيدة؛ فقد فقدت والديها وبناتها الثلاث، وأول من فكرت بها هي روزالين، لتسيطر عليها فكرة الرحيل، والمغادرة باتجاه الأرجنتين حيث صديقتها، علَّها تتخلص من آلام الفقدان وتستطيع الخروج من البئر، حيث لا وحدة ولا ضياع. رحلت عن “ستانلي” على باخرة كبيرة، مخرت بها البحر بعيداً، وكان أن تعطل محرك الباخرة، لترسو على سواحل “ريونيجرو”، عندها نصحها القبطان بأن تهبط “إن اخترت تدخلي الأرجنتين من هنا سيكون أسهل عليك من أن تدخليها مباشرة من العاصمة، أوقد تعجبك وتختارين البقاء فيها” لتجد نفسها تهبط المدينة و تسير دون هدى حتى غشى المكان بظلمة المساء، كانت جائعة ومنهكة، نامت أو أنها فقدت وعيها على رصيف تلك المدينة، لتصحو بين سكان قرية في غابة وحولها أناس بملامح غريبة “سألها أحدهم بالإنجليزية: من أين أنت؟… تفاجأت أن سمعته يتحدث إليها بلغتها.. كان اسمه موكوفي…”. ذلك الشخص أصبح حاميها بعد أن سمع حكايتها، وساعدها على الخروج من مجتمع الغابة، ثم انتقلت إلى مدينة “فيدما” وهناك تعرفت إلى عازف جائل في الأربعين “اليخاندرو” قادها لتسكن مع أسرته، زوجته وأولاده والعرافة “لويزا” أم زوجته. تخرج مع اليخاندرو صباحاً حيث يجلس عازفاً للمارة ليجودوا باليسير، شاهدت ما لم تتوقعه صديقتها روزالين، تلك التي كانت تهم بالسفر للبحث عنها في كان ترقص وتغني في الشارع، تستعطف المارة، غير مصدقة وهي أمام صديقتها، غير أن ما أفقدها توازنها أن رأت زوجها “سيث” مع صديقتها، وأنهما تزوجا ويعملان معاً جائلين في الشوارع، جن جنونها ولم تجد إلا أن تهرب صارخة، تهرول بعيداً. وبمساعدة إليخاندرو تعرفت على صياد “أرماندو” الذي حملها على قاربه، ليعبر بها النهر الأسود، حتى العاصمة. الملفت أنها صادفت طوال رحلة هروبها سلسلة أناس يتحلون بالطيبة، فما إن يختفي الأول حتى تتعرف على التالي، يظهرون أثناء محاولاتها الخروج من بئر الوحدة: ليون، ستيفن، موكوفي، اليخاندرو، أرماندو، رو، ديفدان… تلك الشخصيات التي تشابهت في طباعها الخيرة، وكأنها شخصية واحدة، فليون صياد أسماك من مدينتها، توسط لها لدى القبطان “ستيف” مالك باخرة “وايت ويل” بعد أن عرف قصتها ليقلَّها من مدينتها، ستيفان أعتنى بها طوال الرحلة، يطمئنها رغم أنها لا تحمل إذن المغادرة من فوكلاند ولا إذناً بدخول الأرجنتين. ثم “موكوفي” من وجدها فاقدة الوعي ليحملها على حصانه إلى قريته وسط الغابة، ثم يتعهد بإيصالها إلى مدينة تجاور العاصمة، وهناك تجد اليخاندرو، وبعده تصادف “أرماندو” على ظهر مركب يحميها ويساعدها لتذهب بعيداً بعيداً، حيث تختبئ بين بضائع باخرة لنقل السلع بين القارات في الميناء، التي تصل بها شرق آسيا، وأثناء عبور تلك المحيطات يجتاح الباخرة وباء، وعندما يعلموا بأن ذلك الوباء يجتاح العالم، فلا أي مدينة تقبل بهم، فكان الطبيب “رو” الصيني على ظهر الباخرة من عطف عليها ورعاها طوال شهور. أخيراً ينتهي المطاف بها في بنجلادش، وهناك تصادف الناسك “ديفيدان” الذي يقصد الحج إلى معبد في أعالي جبال التبت، تتبعه عبر طرق جبلية و أنهار، ووديان لأيام وأيام، وفي الطريق تكتشف أنها حامل لتنتهي الرواية بتخيلها لصور والدها ووالدتها وبناتها، ثم صور من صادف والتقتهم في طريقها، توهانها وخروجها “وكأنني حملتهم داخلي إلى هنا ولم نفترق أبداً. قالت جملتها هامسة قبل أن تفاجئها آلام المخاض، حين تدفق ماء الرأس، لم تعد تقوى على الوقوف؛ فأطلقت صرخة سمعها الواقفون على الجسر ليسارع إليها بعضهم، محاولين حملها إلى أقرب مكان أو إلى المعبد كي تلد فيه، وعندما انزلق رأس الطفل وجسده من بين أرجلها فسارعت إحداهن تتلقفه، فحملته ولفته بشال أمه الصوفي، ودفعت به إلى أحضانها تحثها أن تضمه إليها حتى يهدأ بكاؤه، غير مصدقة أن ما بين يديها طفل منها،

رحلة شاقة وممتعة تجوب العالم، هرباً من إحساس قاتل يسكن أعماقها، وأن البئر يزداد ظلمة وأن الشقاء بداخلها، وأنها تحمله أينما ذهبت. ملمح آخر يتمثل في الحوارات، إذ يجدها القارئ دقيقة ومقتضبة، ويشعر بأنه أمام مشاهد مسرحية، بحواراتها التي تقربه من عوالم شخصيات الرواية، ونقتطع هنا حواراً بين المتنسك ديفيدان وسارة أثناء مرافقتها له صاعدين في طريق إلى التبت، وقد اعترضتهما حية كبيرة ” هل هي صديقة؟ نعم.. كيف ذلك؟!لا تخف سمها؟ إذا شعرت بخوفك ستبدي لك شرها.. أما أن تكوني مسالمة محبة لن يصيبك سوى الألفة والسكينة مع كل ما يحيطك… أين تعلمت هذا؟ مثل تلك الأشاء لا تُدرس… هي تنمو داخلك ونُزهر إذا أردت انت ذلك. أنت بوذي أم هندوسي؟ لا هذا ولا ذلك.. تصمت للحيظات تحاول أن تفهم كلامه الواضح الغامض. قلت لي إنك من الهند! نعم.. لكنني الآن غير مستقر في مكان.. هل لي أن أسألك الآن عن وجهتك؟ .. سأعبر الحدود إلى التبت. التبت هل هي بعيدة من هنا؟ مبدئياً ستمئة كيلو متر…”

استخدمت الكاتبة راو عليم لإخراج رواية حوارية ووصفية في آن، إذ تتوالى مشاهدها ولوحاتها الوصفية من صفحة إلى أخرى “الشمس تنشر أشعتها بسخاء، على تلك الساحة البهية الواسعة، طيور الحمام كثيرة منتشرة في كامل الميدان، تلتقط شيئاً من على الأرض، يطير بعضها فجأة محدثاً أصواتاً لرفرفة أجنحتها، تشبه التصفيق، تدور دورتين بالهواء ثم ما تلبث أن تهبط ثانية، تلتقط الحب أو تتمشى ببهاء وخيلاء وسط السرب” ليرى القارئ ما تراه سارة ويتأمل الوجود بعيونها، فمن مدينة “ستانلي” إلى غابات الأرجنتين، وحياة السكان الأصليين، ومنها إلى مدينة “فيدما” ثم العاصمة “بونيس آيرس”، ومنها باتجاه شلالات “اجوازو” التي تفصل الأرجنتين عن البرازيل، ثم شرقاً لتنتهي سارة في معبد على جبال التبت.

رواية لكاتبة عربية بهذا الثراء المعرفي، جغرافياً واثنياً، صاغتها بفكر عميق، رواية ليست للتسلية، فبعمقها تترك أثراً في القارئ وتضيف له الكثير، غير أن ما يثير فضوله، لماذا الكاتبة من جغرافية ومجتمع مختلف، أن تكابد بجمع هذا الكم من المعرفة لتقدم رواية شيقة، ذات دلالات إنسانية تبقى ولا تزول؛ هنا استنتج أنها ذات صلة وثيقة بمجتمع الأرجنتين والقارة الجنوبية لأميركا، وإلا ما كان لها أنت تنتج كل هذا الجمال والإدهاش. كم أتمنى على دار الفؤاد، وهي دار نشر مرموقة، أن تفسح للكاتب على إحدى صفحات إصداره نصف صفحة للتعريف به. هي تحية صادقة لهذا العمل المشوق، والعميق.ـ

You may also like