كتب الغربي عمران

شكراً أستاذة رباب، من أهدتني رواية “عبور آخر نحو الشمال“. للأديبة السورية بهية كحيل، الصادر عن دار الفؤاد في القاهرة.
رواية فاضحة، تستشرف الغد، من خلال تسليط الضوء على ما يدور من فظائع ضد شعوبنا العربية، سوريا أنموذجاً، مدينة حلب، أسرة إسراء. عنوان الرواية ذو دلالات عميقة، يذكرنا بتلك الجموع من السوريين الذين استمر عبورهم سنوات ولا يزالون، بداية بعبور الحدود السورية التركية، واللبنانية والأردنية، ثم عبور البحر على مراكب الموت باتجاه دول أوروبا، وقلة باتجاه مصر ودول أخرى، حتى أضحت بعض مدن وقرى سوريا مفرغة من سكانها، ليتجاوز عدد من فروا من جحيم الحرب نصف السكان، حتى من ظلوا داخل سوريا في حكم اللاجئين، وأضحت تلك الملايين تمثل عاراً إنسانياً وظاهرة لافتة تعبرِّ عن بربرية الإنسان ضد أخيه الإنسان. ذلك ما تقدمه الرواية بتفاصيل مرعبة

“ازداد القصف الجوي الوحشي من قبل النظام، ازدادت بالتالي عدد البيوت التي باتت فارغة من ساكنيها، وإن كانت أقل فخامة وجمالاً، بل كانت بيوتا عادية يسكنها مقاتلون غرباء جاؤوا من أماكن بعيدة للغات غريبة ولهجات غير مفهومة، ليقاتلوا مع الفصائل الجهادية“،
ومن صفحة أخرى “هرج ومرج بين سكان الحي، وحديث حول فيضان نهر قويق بعشرات الجثث، علت الأصوات، وازدحمت الطرقات، وهرع الناس إلى المكان، مشهد مريع يذهل النفوس، ويجحظ العيون، أجساد هامدة لرجال وشباب في مقتبل العمر، أمتلأ بها مجرى النهر، مكبلي الأيدي، بعضهم ما زال معصوب العينين، معظمهم أعدموا بطلقات في الرأس، لا أحد يدري لماذا، ومن أين وصلت كل تلك الجثث، ومن قام بتصفيتها“.
رواية “عبور آخر نحو الشمال” قدمت الحرب السورية في تسلسل وتطور درامي لأحداث متداخلة، ليرى القارئ سلسلة من المشاهد بعيون السارد، بشاعة جرائم النظام وكذلك الجماعات الجهادية، وأن الاقتتال لم يكن من أجل سوريا حرة، بل بهدف السيطرة والتسلط على شعبها وقدراته، وأن تلك الشعارات التي كانت ترفع، ماهي إلا ذراً للرماد على العيون. “عجيب هذا الصباح، يبدو هادئاً بدرجة مقلقة، عكس تلك الصباحات الدموية التي تعقب عادة قصفاً ليلياً“، حديث الراوي العليم بتساؤلات الطبيب “بشير” المناوب في إحدى مستشفيات حلب، المدينة السورية الأكبر، والأكثر نشاطاً وإنتاجاً، والتي تحولت إلى مدينة مشطرة بعد أن تقاسمها النظام والجهاديون، ليعملوا تدميراً وقتلاً حتى تحولت بيوت وأسواق المدينة إلى بقايا أطلال “في سوق المدينة القديمة الذي تحول بأكمله إلى ساحة حرب وجبهة ساخنة بين الطرفين…” الرواية رواية المكان بامتياز، فحلب وقد قسمت إلى شرقية تسيطر عليها جماعات تجار الدين، وغربية للنظام، ويمكن أن نستعرض بعض ما أوردته الرواية من أسماء لأماكن المعالم في حلب: جامعة حلب، حي السكري، مقبرة الكليماتي، جامع جمال، حي الكلاسة، مشفى القدس، الجامع القديم، حي دوار القمر، حي العامرية، تل الزرازير، باب الفرج، باب قنسرين، باب أنطاكية، سوق السقطية، خان البنادقة، خان الحرير، خان الشونة، الجامع العمري، حي العقبة، حي الجلوم، نهر قويق… إلخ والقائمة تطول، إذ أن ما ذُكر في هذه الرواية من أحياء ومعالم يجعلها في مصاف رواية المكان بامتياز، فالكاتبة تجعل قراءها يرون بعينيها تلك الأحياء بشوارعها، وأزقتها، بل ويرافقونها إلى دوارتها، وأسواقها ومنشآتها الصحية والتعليمية، وحتى نهرها الضحل الذي أمتلأ بالجثث، حتى أن القارئ يكاد يتعرف على المدينة وما مر عليها من مآس، قبل أن تطأ قدماه أطرافها، فهذا هو المكان يراه أمامه رأي العين من خلال مشاهد الرواية المتتابعة للهدم والقصف والنسف، بل ويشعر بقلب حلب لحظات القصف ككائن حي يرتجف وينزف، بل ويسمع صدى دوي نبض قلبها، وحتى عويلها ودموعها. إذاً الرواية رواية المكان بكل أبعاده. وهي في الوقت نفسه رواية المرأة ممثلة بـ “إسراء” برغم تعدد الأسماء الأنثوية، إلا أن أسراء ظلت الحاضرة، بداية بقسوة وجلافة تعامل والدها الذي كانت تقوده زوجته الصغيرة، ويسمع شكواها الدائمة من الصبية إسراء، تلك الزوجة التي سامتها أنواع العذاب، ليمثل لها ظهور عريس طوق نجاة، وتقبل به متمنية إنقاذها من جحيم تعيشه بعد موت أمها. إلا أن الزوج خالد خيب آمالها من أول الليلة، وهو المدمن للبودرة، وظل يعاملها بقسوة، وبعد إنجابها لعلياء “فلقة القمر” كما يصفها من يراها، تمنت أن يتغير، ثم بطفل ثان، لكنه ظل فاقداً لإحساس الرجولة والأبوة، لتنتهي العلاقة بطلاقه إسراء. ليراها أمير المجاهدين بالصدفة “أبو كنان” ويتزوجها زواجاً سرياً شبيهاً بعلاقة الدعارة، وقد اشترط عليها ألا تشيع زواجها منه، وأن تأتيه إلى ثكنته متى أرسل لها لتقضي ليلتها، ثم تعود إلى أولادها. لكن إسراء تفر وأولادها سراً نحو الشمال، وتجتاز الحدود السورية التركية وطفليها، وبين الزحام تضيع “فلقة القمر” علياء بنت العاشرة، ويتلقفها قواد آخر، ولم يمر وقت حتى تفر من بين مخالب ذلك الذئب البشري، وتحتويها أسرة حمصية ممن فروا من هول الحرب. وعلى قارب مطاطي تفر مع أفراد تلك الأسرة من شواطئ إزمير باتجاه اليونان، على أمل الوصول إلى أي دول من دول أوروبا شمالاً. وتظل إسراء تبحث عن ابنتها متنقلة بين المدن التركية لتعيش أهوالاً ومهانات جسدت عذابات سوريا بأسرها.
الرواية قدمت سوريا كائناً أسطورياً يُشوى على نار هادئة أمام أنظار ومسامع العالم، وما كانت تتداوله وسائل الإعلام المختلفة لا يساوي عشرة في المائة مما دار من جرائم وفظائع، لا يعري السلطة أو الجماعات الجهادية بل زيف قيم أمم الأرض والمجتمعات تلك التي قدمت العون للفارين أو لبعضهم، لكنهم لم يلتفتوا، لم يسلخوا داخل سوريا على مدى السنوات، ولا يزال الحبل على الجرار، فقد تخلص أحد الأطراف من طرف وهو اليوم يعد العدة لمزيد من السيطرة والتسلط. وتبقت نقطة مهمة سلطت الرواية الضوء عليها، وهي تعرية النظام العسكري من القيم الوطنية التي ظل يرفعها كشعارات طيلة عقود، بينما هذا النظام أفسد إلى درجة الإجرام بإبادة الشعب وتدمير أحياء بإلقاء البراميل المتفجرة عشوائياً، فلا يهمه مَن تصيب، مدارس أطفال أو مستشفيات أمراض، أو دور عجزة، أو أسواق، الأهم تركيع الشعب لسلطته وجبروته. بالمقابل عرَّت الرواية أيضا تلك الجماعات التي ظلت ترفع شعارات ظاهرها الرحمة والعدل والسلام، بينما كانت تلك الجماعات تسحل الجموع وتدك الأحياء وتمتهن النساء وتبيد كل من في طريقها، وقد صورتها الرواية في مستوى بشاعة النظام وتجبره. هذه الرواية توحي لقارئها، ألا استقراراً ولا عدالة ولا سلاماً ولا حرية مع أي نظام عسكري، أو في ظل جماعات المتاجرة بالدين. وكأنها تشير إلى ما يعتمل في سوريا هذه الأيام من حكم المتغلب –جماعات الأمس- بعد استيلائها على سوريا بقوة السلاح. وكأن الكاتبة كانت تستشف الغد، وترى ما ستكون عليه سوريا اليوم والغد.
إن القارئ يخرج من هذه الرواية برؤية واحدة، لا أمل في عسكر ولا جماعات، بل الأمل في حكم مدني يكفل لجميع الشعب السوري مواطنته المتساوية، وفق دستور يحرِّم على العسكر وجماعات المتاجرة بالدين السلطة. الرواية ترينا بشاعة ما يعيشه الشعب السوري، وكذلك توحي لنا بعسكر وجماعات الجهاد وما تسومه للشعب السوداني من بطش وتدمير، وكذلك في ليبيا، واليمن، وبقية الدول حيث يظل الحبل على الجرار، طالما والمجتمعات تراهن على من يمتلك القوة، ويحكم بالتسلط والعنف. اليوم يهلل الجميع لمن سيطر على سوريا من جماعات غيرت شعارات الأمس، لكنها تعتمد على بقائها بقوة السلاح، وقد سمتها ثورة. بينما الرواية كشفت الوجوه القبيحة للمتسلط من تجار الدين والعسكر، من يرفعون شعارات مظلِلة، فأي أمل من فكر لا يرى الحق والعدل إلا في عناصره، وما عداهم ينافي توجيهات الله، وما جاءوا إلا بمباركة إلهية، وهم ظل الله على الأرض.
رواية توقعت ما حصل قبل وقوعه، لأديبة تستشرف الغد من الحدث الآني، وهذه الرواية تذكرنا بالعمل السردي الذي أصدره الأديب المصري محمد سلماوي قبل ثورة فبراير في مصر، والذي استشرف تلك الأحداث الدامية قبل صعود جماعات الإسلام السياسي، لينتصر الشعب المصري بإرادته الحرة عليهم. في نهاية قراءتي القصيرة لرواية فارقة، لا يمكن الإلمام بكافة جوانبها في صفحات قليلة، وذلك لتعدد ثيماتها، فعبور آخر نحو الشمال، رواية ثرية المواضيع، عميقة المقاصد.