Share

زكريا صبح يزيل المعوقات من أمام “قاطع طريق”

by Sallmina · يوليو 12, 2025

بقلم/ عبير العطار


تقول أحلام مستغانمي: “إن كان الطريق سهلا فاخترع الحواجز، أما أنا فلم أجد غير الحواجز وكان علي اختراع الطريق”.
استحضرت هذه المقولة حين قرأت الاهداء الذي كتبه القاص والأديب “زكريا صبح” قائلا
إلى زكريا صبح
الذي لم يزل يكتب
رغم كل المعوقات التي صادفته
إذن صارحنا الكاتب قبل بداية قراءة القصص عن أنه يكافح رغم كل المعوقات التى صادفته لإيجاد طريق مما يؤهلك من لحظة قراءة عنوان المجموعة إلى وجود طريق سنمر به لكن هناك قاطع لهذا الطريق إما معوقا أو رادعا لشيء أو مانعا يجبرك على أن تكون متقوقعا لتجمع سلة تساؤلاتك وبعدها تعبر (الحياة) ..التى تمثل له هذا الطريق، أوربما كان قاطع طريق مجرد حدث سارق لانتباهك.
قاطع طريق العنوان المكتوب بخط أحمر هنا هي النصوص التي تعترض سبيل القاريء بقصد سلب انتباهه وتوقيفه، لينقله من عالم الواقع إلى عالم الرمزية والخيال، يعالج المعاناة الإنسانية بصورها المتعددة،خاصة شجون الرجل ومعاناته في العلاقات، فيرى الفلاسفة مثل نيتشه: إن المعاناة جزء من عملية التغلب على الذات والارتقاء بها والانسان القوي هو من يستطيع المعاناة إلى قوة دافعة
أما فرويد: فيرى أن المعاناة جزء من عملية التغلب على الذات، وتؤدي في النهاية إلى نمو الشخصية وفهم أعمق للذات.
يأنسن الكاتب الأشياء كما في قصة تمرد، ويوحد المصائر في عدة قصص تحت راية واحدة هي راية الرحيل بأشكاله المختلفة في قصص أخرى متنوعة الطرح، تعالج قيما مجتمعية وقضايا انسانية مهمة لكن لكل قصة رمزيتها الخاصة قد يتشابك بعضها أو لا يتشابك.
للكاتب لغة سلسة بها بعض الصور بلاغية الجميلة وتعبيرات رائعة سأذكر أمثلة هنا وسيرد بعضها في مواضع أخرى:
(أعرف أن أحذية أفراد قافلتي عمياء)ص20
(كانت الحكايات مبعثرة كأطفال تائهة من ذويها )ص 104
(أنا في الحياة مربوط بحبل سري ممتد حيث انت يا ابي) ص 57
جودة القصة :طريقة بناء الكاتب للقصة وسرده المنضبط نحو الهدف هو مثير للاعجاب ،كما في قصة انتقام عصفور ورجل ولود على سبيل المثال لا الحصر، والمفارقة مثلا في قصة رجلان حيث تسبب حرف واحد في اسم البطل بكل تلك الاحباطات بعد حلمه بالشهرة
الأسلوب : يختار الكاتب كلماته بعناية مما يعكس دقة المعنى المراد توصيله ،جمله متوسطة الطول، وأفكاره منظمة وعميقة ، ولا يسهب في استخدام الجمل البلاغية أما السردية فهناك راوي يحكي لنا القصص ما عدا بعض القصص وعلى سبيل المثال انتقام عصفور، رجل ولود، قاطع طريق، تمرد ،جسد ساخن فهو اختار أن تروى بضمير الأنا المتكلمة
استخدام الرمزية كان واضحا داخل المجموعة ومثال قصة رسالة حلم رمزية يأس الانسان من أحلامه وهروبه واستسلامه وكيف يمكن أن يضيع الانسان فرصته الأخيرة لأنه اتخذ قرارا بالتخلي عن حلمه في لحظة قد تكون هي نفسها لحظة التحقيق.هناك قصة ذاكرة الكاميرا فقط موغلة في الالغاز
الوحدة الموضوعية: هناك مجموعة من القصص لها وحدة موضوعية وهي المعاناة الانسانية التى تخلص إلى نفس النهاية بشكل أو بآخر وهو الرحيل أوبصورة أخرى الانعتاق أو الحرية
مثلا في قصة أسد جائع توصيف معاناة الرجل (انا لم أكن أحلم الا بالنوم على صدرك حالما بابتسامة الرضا من شفتيك)،وصف شعوري رائع لأزمته، ثم كان الحل وهو الرحيل ( انسحبت مغادرا لأن طعم الهزيمة أقل مرارة من طعم الحياة معك) أيضا جملة لها دلالتها، و( كنت أفعل ذلك محاولا نسيان قسوتك التى كانت تطل دوما من عينيك). لذا يرى الفلاسفة أن نهاية العلاقات جزء طبيعي من الحياة وأن الأهم هو كيفية التعامل مع هذه النهايات.فدعونا ننتقل إلى قصتي شجرة عاقة، وطنين ذبابة تشتركان في طرح معاناة الرجل الصابر المبادر لانجاح العلاقة الزوجية ويختار في الاثنتين قرار الرحيل في الاولى شعر بالفشل بعد محاولاته المستميتة عشرين عاما أما في طنين ذبابة كان هناك تصريحا من زوجته بالرفض فرحل بالانتحار.
عشرون عاما في القصتين جمعت بين دفتيها الكثير من الجهد المبذول في أرض بور والزمن الطويل هنا دليل مثابرة ومحاولات لم تنته والدليل كلماته ص 134( لم أحظ منك بنظرة حب تغسلني، ولا لمسة تأويني ولا كلمة حلوة ترضيني) أو الحرث في البحرص 127(أراني لا شيء)، مع استخدام عناصر تساعده مثل الظلام والمرآة ليوضح لنا موقفه لنفسي.الكاتب بكلمته العشرين عاما يقصد الحفاظ على الاسرة والابناء لاعتبارات كثيرة منها أخلاقية أو دينية او على أمل التحسن أو خوفا من الوحدة أو خوفا من الضغوط الاجتماعية
كيف يصمد رجل أمام جراحه بالرفض بعدما ضيع من حياته عشرين عاما..فكرامته أغلى من حياته معها ولكن هل هو سبب كافي للانتحار
تتماس القصتين مع قصة رحيل مسبب في فكرة الرحيل في النهاية مع انه هنا وضع الرحيل عنوانا و كذلك كنهاية فلم يثر أي دهشة لدي.
فيصف الكاتب شعور العروس القاصر التي يزوجها الأهل لشخص يرونه مناسبا كيف تحس ص 121 (شعور الانتقام يكبر داخلك كجنين في بطن أمه) وشعور الرجل بالندم لاختطافه ثمرةغضة لم يكتمل نضجه .
يقول جان جاك روسو: “صوت الحب عند المرأة أقوى من صوت الضمير” لتتماس المقولة في قصة جسد ساخن مع فكرة الخيانة الذهنية الضالعة في صدر المحب، ويصعد السؤال على مسرح الحكاية ..هل يعاقب الانسان على خيانة شريكه لما يشعر به في خياله؟
يقول نيتشه: لسنا صادقين تماما إلا في أحلامنا”
هنا الزوجة استمتعت كثيرا بمثل تلك الخيانات حتى شكلت مرضا لأنها تقول (نعم أعترف وأنا على حافة الجنون انني خنتك كثيرا)، القصة أيضا تشابهت في نهايتها مع شجرة عاقة وطنين ذبابة ورحيل مسبب، ولكن يظل السؤال هل مواجهة الزوج باسئلته كانت كافية لايقاظ ضميرها حتى تتطهر ؟؟
حتى قصة الطائر تتماس في طرح قضية الانعتاق والحرية..استخدم الطيران وهو لحظة الانقلاب الروحي للخلاص، يقولون ( لن تستطيع أن تمنع طيور الهم ان تحلق فوق راسك ولكنك تستطيع أن تمنعها أن تعشش في رأسك)
القصص سريعة الايقاع لا تتوقف عندها طويلا ، وتفتح الأبواب لتأويلها فلا إلغاز فيها إلا نادرا لكن بها رمزية تحتاج لاعادة القراءة.
العمق موجود والصدق الفني هو ما يميز معظمالقصص. ولكن يصدف مثلا في قصة نسيم، لم يقدم الكاتب سببا منطقيا لما يقوله (تصل رائحة عطره قبل وصوله) ليتبادر السؤال هل المول الجديد أو السوق التجاري يفتح قبل ذهابه للمدرسة وعليه يستطيع أن يضع عطره المتجدد يوميا؟
تناص مع القران في موضع واحد ص 138فلا تبك ولا تذهب نفسك علينا حسرات متناصا مع الآية 8 من سورة فاطر”فلا تذهب نفسك عليهم حسرات”
بعض نهايات القصص محتاجة إلى اختزال فأحيانا القاص يفصح عن كل شيء في سطوره الأخيرة دون أن يترك فرصة للقاريء أن يترجم رمزيته للنهاية مثل قصة فلسفة، أو يضع العنوان كاشفا لنفس النهاية.مثلا طنين ذبابة تجد تفصيلا للنهاية في الهامش. قد يفتقد أيضا لبعض الدهشة أو النهاية تكون منطقية ومتوقعة جدا مثل قصة هروب.. وقصة أسد جائع أشبه بالخاطرة وأقرب.في نهاية قصة تمرد والتي أنسن فيها الأشياء وبها اسقاطات جميلة لكن النهاية كان يمكن توظيفها بحرفية أكبر فيصنع مشهدا فارقا كتسمّر الأدوات في ميدان الورشة!دلالة على التمرد والعصيان لبيعه الآلة التي تسببت في قطع أصابع يد رجل من أحب الناس إلى البطل.
يقول نيتشة أيضا: عليك أن تصالح نفسك عشر مرات في النهار لأنه إذا كان في قهر النفس مرارة فإن في بقاء الشقاق بينك وبينها ما يزعج رقادك. تتضح هذه المقولة في قصة تمرد يقول الكاتب: حاولت أن اعتني بنفسي وانسى تماما هؤلاء الذين ينامون في أسرتهم لا يشعرون برجل يشحذ كل خلية من اجل ان ينزع نفسه من البيت ذاهبا إلى ورشته.
نوستالجيا الحنين كان في قصة قاطع طريق وفي قصة جلسة ملكية
ساتوقف عند جلسة ملكية ودروس مستفادة فعسى أن تحبوا شيئا وهو كره لكم ،لاندري الخيرة في اصرارنا على الاشياء، فالكاميرا الحلم كانت كاميرا سوداء تحيلك إلى حدث قادم سيء أنت لا تعرفه، استخدم الكاتب بعدها بفقرة التعبير “حائط سماوي اللون” دلالة على لون السماء ومن ارتقى إليها واستخدم لفظ ستظل معلقة دلالة الاستمرارية ولم يستخدم التى ظلت معلقة إلى اليوم وكأن الزمن عنده متحرك باستمرار لا ينقطع طالما الذكرى حاضرة
عادة يشير الشخص الذي يشعر باقتراب الموت فيودع أحبته قبل الموت ربما بكلمة أو جملة، ولكن رنين تلك الكلمات تمثل داخل نفس المتلقي لها خوف تسرب إلى نفسه.
كرر الكاتب كلمة سعيدا ثلاث مرات لذا فالطفولة هنا ابتدأت كمرحلة سعادة مطلقة، سعيد بحصوله على الكاميرا وهو حلم حققه، سعيد لتحديد زاوية الالتقاط،سعيد وهو يداعب أبواه,,, ثم يحدثنا على الحزن الذي نشب أظافره في روحه لفقده والده وما تجذر في أعماقه نتيجة هذا الحدث…مما يؤكد أن السعادة لحظية وقتية والحزن غائر يسكن الروح ويهزمها.

You may also like