كتبت\ أبرار أحمد
في صباح بدايته باهتة، سيطرت فيها مشاعر الحزن على الوسط الفني، رحل عن عالمنا الفنان أحمد لبيب، تاركًا وراءه رصيدًا فنيًا هادئًا، لكنه محفور في ذاكرة محبّيه، تمامًا كما عاش… في هدوء، وبلا صخب.
الخبر جاء صادمًا، ليس لأنه مفاجئ، ولكن لأن فكرة الفقدان دائمًا مؤلمة، خاصة حين يتعلق الأمر بشخصية كانت قريبة من القلوب حتى لو ابتعدت عن الشاشات.
رحلة المرض.. تفاصيل حالته الصحية الأخيرة
لم تكن أيام لبيب الأخيرة سهلة، فقد خاض صراعًا مريرًا مع المرض. بحسب مصادر مقربة من الأسرة، كان يُعاني من مضاعفات في الجهاز الهضمي منذ عدة أشهر، دخل على إثرها المستشفى أكثر من مرة، إلا أن حالته تدهورت بشكل مفاجئ خلال الأيام القليلة الماضية.
ورغم ذلك، تمسّك لبيب بالصمت، وفضّل أن يحتفظ بوجعه لنفسه، رافضًا الحديث عن مرضه علنًا، تمامًا كما كان طوال حياته، يختار أن يبتعد عن الأضواء عندما لا يكون لديه ما يُقدّمه.
لبيب.. الفنان الذي لا يُشبه أحد
ولد لبيب في ستينيات القرن الماضي، وبدأ مشواره الفني في مطلع الثمانينيات، لكنه لم يكن من نوعية الفنانين الباحثين عن البطولة، بل اختار أن يكون “السنيد الذكي”، الذي يصنع البصمة في دقائق قليلة.
من منا لا يتذكر أداءه الصامت والذكي في مسلسل “المال والبنون”؟
ومن ينسى ظهوره المختلف في “يوميات ونيس”، حيث كان يُجسّد شخصيات قريبة من الشارع المصري، بمزيج من البساطة والصدق.
أعماله الفنية.. قائمة طويلة رغم الغياب
رغم أن لبيب لم يكن من نجوم الصف الأول، إلا أن أرشيفه الفني يحمل أكثر من 90 عملاً تنوعت بين السينما والتليفزيون والمسرح. من أبرزها:
مسلسل “العائلة”: أحد أجرأ الأعمال التي ناقشت الفكر المتطرف، وكان له فيه دور صغير لكنه مؤثر.
فيلم “طيور الظلام”: مع الزعيم عادل إمام، حيث لعب دورًا ساخرًا في سياق سياسي.
“عسكر في المعسكر”، “عسل أسود”، و**”مرجان أحمد مرجان”**: وكان فيها ضيفًا خفيفًا لكن حضوره لا يُنسى.
لبيب كان يجيد دور “المواطن البسيط”، ولهذا أحبه الناس، لأنه لم يُجسدهم فقط.. بل كان يشبههم بالفعل.
آخر ظهور.. وحقيقة اعتزاله
رُصد لبيب في مناسبات قليلة خلال السنوات الأخيرة، آخرها منذ عامين حين ظهر في مهرجان صغير لتكريم الفنانين القدامى، وبدا عليه التعب وقتها، لكنه أصرّ على الحضور.
شائعات اعتزاله تم تداولها أكثر من مرة، لكنه لم يُعلن ذلك رسميًا، ورفض تقديم أي تصريحات إعلامية، ربما لأنه كان يُحضّر للرحيل دون ضجيج.
الوسط الفني يودّعه.. رسائل وداع من القلب
ما إن أُعلن خبر وفاته، حتى تدفقت برقيات العزاء من نجوم الفن، حيث كتب الفنان أحمد السقا عبر حسابه:
“البقاء لله.. فقدنا فنانًا حقيقيًا، ربنا يرحمه ويجعل مثواه الجنة.”
أما الفنانة عبلة كامل، التي شاركها في عدة أعمال، فقالت في تصريح مقتضب:
“لبيب كان إنسان طيب قوي.. وكنا بنحبه كلنا.”
وداع بسيط.. كما عاش تمامًا
أُقيمت الجنازة في مسقط رأسه بمحافظة الإسكندرية، وسط حضور محدود من العائلة وبعض الفنانين المقربين. لم تكن هناك عدسات، ولا مؤتمرات تأبين.. فقط دموع صامتة وقلوب ثقيلة.
لبيب في الذاكرة
قد لا يحمل اسمه جوائز كبرى، ولا تصدّر بوسترات الأعمال، لكنه سكن القلوب ببساطة، وترك أثرًا لا يُمحى في أرواح كل من شاهده. كان لبيب من الفنانين القلائل الذين يختارون أن يظلوا في الظل، لكن ضوءهم لا يخفت أبدًا.
رحل لبيب، لكن سيرته الطيبة وأعماله البسيطة باقية.
علّنا نتعلم منه كيف يكون الإنسان صادقًا في صمته، وفنانًا دون استعراض.
وداعًا يا من علّمتنا أن البساطة فن، وأن الهدوء قوة.