بقلم الدكتور محمود علام
كاتب واستشارى ارشاد نفسى وأسرى
في كل مجتمع، تُحيطنا قوانين صارمة لحماية الأفراد من الأذى الجسدي والاعتداءات المادية. تُرصد الجرائم، وتُلاحق الأدلة، وتُقدَّم القضايا للمحاكم. ولكن، في زوايا خفيّة لا تُضاء، هناك نوع آخر من الجرائم يتسلل بهدوء، لا يُدوَّن في سجلات الشرطة، ولا تُفتح له ملفات جنائية، ومع ذلك… يقتل.
نحن نتحدث هنا عن الجرائم النفسية؛ تلك التي لا يُسفك فيها دم، ولا يُسمع فيها صراخ، لكنها تخترق الإنسان من الداخل، وتُهشّم روحه ببطء شديد.
هذه الجرائم لا يُنفّذها مجرمون تقليديون، بل ربما أشخاص نحبهم ونثق بهم. يأتون بملامح ودودة، بكلمات لطيفة ظاهرًا، لكنهم يمارسون نوعًا بالغ القسوة من العنف: العنف الصامت. التلاعب بالمشاعر، الإهمال المتعمد، النقد الهدّام، التحقير الخفي، أو الصمت القاسي الذي يُستخدم كأداة عقاب لا تُرى.
الضحايا لا يملكون إثباتًا لما يُعانونه. فهم لا ينزفون، ولا يحملون كدمات. لكنهم يذبلون من الداخل. تتآكل ثقتهم بأنفسهم، تضعف قدرتهم على التوازن، وتخفت بداخلهم كل شرارة للحياة.
هؤلاء الضحايا، لا يشتكون كثيرًا. لأن الجاني بارع في التلاعب، يُربكهم، يجعلهم يشكّون في سلامة إحساسهم، وفي أحيان كثيرة، يُحمّلون أنفسهم الذنب عمّا يحدث. إنها عملية اغتيال معنوي بدم بارد، دون ترك أي أثر واضح، سوى نفس مُحطّمة، ونور داخلي منطفئ.
ما يزيد الأمر فتكًا هو أن المجتمع نادرًا ما يعترف بهذه الجرائم. لا أحد يُعاقب على التجاهل المؤذي، ولا على نظرات الاستخفاف، ولا على العلاقات القائمة على السيطرة النفسية والتلاعب العاطفي. حتى الضحية، في كثير من الأحيان، لا تُدرك ما تتعرض له إلا بعد فوات الأوان.
تخيل كم من الأشخاص ينامون كل ليلة وقلوبهم مثقلة بكلمات لم تُقال، وبتصرفات خبيثة أُخفيت خلف أقنعة الحب أو المسؤولية. كم من الأرواح تموت كل يوم ليس لأن أحدًا اعتدى عليها جسديًا، بل لأنهم فقدوا شعورهم بالقيمة، لأنهم أُنهكوا من الداخل، لأن أحدهم استهلك طاقاتهم النفسية دون رحمة.
النفس تُقتل كما يُقتل الجسد، بل إن جراحها أعمق، لأنها لا تُرى، ولا تلقى تعاطفًا كافيًا.
لهذا، فإن الحديث عن العنف النفسي لم يعد ترفًا، بل ضرورة إنسانية وأخلاقية. نحتاج إلى وعي مجتمعي يُدرك أن الأذى لا يكون فقط باليد، بل بالكلمة، بالنظرة، بالإهمال، بالتقليل، وبالصمت في وجه احتياج الآخر.
في زمن يُبالغ في تقدير المظاهر، ويُهمل المشاعر، نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار لما يحدث في الداخل. فثمة أوجاع لا تُرى، ومعاناة لا تُنطق، وجرائم لا تُحاسب… لكنها تقتل.
فلنكن أكثر لطفًا، أكثر وعيًا، وأكثر إنصافًا تجاه من حولنا.
فلنكن الصوت الذي يُنصف من يُذبَح بصمت، والملجأ لمن يوشك أن ينهار دون أن يلاحظ أحد.
واخيرا اظنه حان الوقت لكى ندرك جيدا
أن الكلمة قد لا تترك جرحًا مرئيًا، لكنها قد تُعيد تشكيل دماغ
الإنسان ونظرته لذاته والعالم من حوله