كتبت-أبرار أحمد
تحالف اقتصادي غير مسبوق يدخل دمشق وسط تحولات جيوسياسية كبرى
في خطوة مفاجئة تحمل أبعادًا استراتيجية واقتصادية عميقة، أعلن جوناثان باس، الرئيس التنفيذي لشركة أرجنت للغاز الطبيعي المسال، عن تشكيل تحالف يضم شركات أمريكية كبرى، على رأسها بيكر هيوز وهانت إنرجي، لوضع خطة شاملة لإعادة بناء قطاع النفط والغاز والطاقة الكهربائية في سوريا، بعد أكثر من 14 عامًا من الدمار والحصار الاقتصادي.
التحالف الجديد يسعى إلى إعادة إعمار البنية التحتية للطاقة، التي كانت من أكثر القطاعات تضررًا في الحرب الأهلية السورية، مستفيدًا من قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخير برفع العقوبات المفروضة على سوريا في يونيو الماضي.

نقطة تحول في الاقتصاد السوري
يمثل هذا التحرك تغيرًا جذريًا في التعاطي الأمريكي مع الملف السوري، إذ تنتقل واشنطن من سياسة الضغط القصوى إلى مرحلة الانخراط الاقتصادي التدريجي، ما قد يُعيد رسم ملامح المشهد الجيوسياسي في المنطقة.
وقال “باس” في تصريحات خاصة لوكالة رويترز:
“نبدأ بوضع خطة رئيسية شاملة للطاقة وتوليد الكهرباء في سوريا، بناءً على تقييم أولي لفرص تحقيق تحسينات سريعة في قدرة التوليد وتقديم الخدمات”.
التحالف يعتزم العمل في جميع مراحل سلسلة القيمة في قطاع الطاقة، من الاستكشاف والإنتاج، مرورًا بالبنية التحتية، وحتى محطات التوليد ذات الدورة المركبة.
خطة تبدأ من غرب الفرات
من المقرر أن تبدأ الشركات تنفيذ خططها في المناطق الواقعة غرب نهر الفرات، وهي مناطق تسيطر عليها الحكومة السورية، في إشارة إلى وجود تنسيق رسمي مع السلطات في دمشق.
وأكد باس أن المشروع يشمل أنشطة متعددة، لكنه رفض الإفصاح عن تفاصيل إضافية، مشيرًا إلى أن المشروع ما زال في مرحلته التمهيدية.
ويُذكر أن باس زار دمشق في أبريل الماضي، حيث التقى بالرئيس السوري أحمد الشرع، فيما اعتبره “حدثًا كبيرًا” مهد الطريق للمحادثات الحالية.
عودة الشركات الخليجية إلى الساحة السورية
لا تأتي هذه الخطوة الأمريكية بمعزل عن التحركات الخليجية المتزايدة في سوريا، حيث وقّعت دمشق في مايو الماضي مذكرة تفاهم مع شركة أورباكون القابضة القطرية لتطوير مشروعات طاقة بقيمة 7 مليارات دولار.
تشمل المشاريع:
أربع محطات لتوليد الطاقة بتوربينات غاز تعمل بالدورة المركبة
محطة طاقة شمسية بقدرة ألف ميجاوات في جنوب سوريا
هذه الخطط تُظهر أن الملف السوري لم يعد أمنياً وعسكرياً فقط، بل اقتصاديًا بامتياز، وأن إعادة الإعمار أصبحت ساحة تنافس مفتوحة بين قوى إقليمية ودولية.

ما وراء رفع العقوبات؟
في خطوة مثيرة للجدل، ألغى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، العقوبات المفروضة على سوريا بموجب قانون “قيصر” في نهاية يونيو الماضي، في قرار فُسّر على أنه بوابة لانفتاح اقتصادي أمريكي مباشر على دمشق.
وكان باس أحد أبرز الشخصيات التي شاركت في جهود ضغط رسمية وغير رسمية لإقناع ترامب بلقاء الرئيس السوري، في محاولة لتقريب وجهات النظر السياسية والاقتصادية بين الطرفين.
القرار أثار تساؤلات في أوساط المراقبين:
هل هو مقدمة لتسوية سياسية شاملة؟
أم مجرد تحالف مصالح اقتصادي عابر؟
جدل داخلي وخارجي حول الصفقة
لم تمر هذه الخطوة دون موجة من الانتقادات داخل الولايات المتحدة، حيث اعتبر سياسيون ودبلوماسيون أن التعاون مع دمشق في ظل نظامها الحالي يمثل تراجعًا عن مبادئ حقوق الإنسان والسياسة العقابية التي انتهجتها واشنطن طوال سنوات الحرب.
لكن آخرين يرون في هذه الخطوة براغماتية واقعية تستجيب لتحولات الشرق الأوسط، خاصة مع فشل سياسة العزلة في تغيير الواقع السوري.
رسائل متبادلة بين واشنطن ودمشق؟
بالنسبة للقيادة السورية، فإن استقبال وفد اقتصادي أمريكي بهذا المستوى، يشكل رسالة سياسية رمزية تقول إن دمشق باتت منفتحة على شراكات دولية متعددة، شريطة أن تُبنى على أساس الاحترام المتبادل والمصالح الاقتصادية المشتركة.
في المقابل، ترى واشنطن أن المساهمة في إعادة الإعمار قد تكون ورقة تفاوضية جديدة تُستخدم للتأثير في السياسات السورية الداخلية والخارجية.
بين الطاقة والسيادة.. من الرابح الحقيقي؟
يتساءل محللون عن حجم النفوذ الذي قد تكتسبه الشركات الأمريكية داخل قطاع حساس مثل الطاقة في سوريا، وسط تخوفات من أن يتحول هذا الانخراط إلى شكل جديد من الهيمنة الاقتصادية، مقابل دعم غير مباشر للنظام السوري.
كما أن المنافسة ستكون شرسة مع:
روسيا، الحليف العسكري الأبرز لسوريا
إيران، صاحبة النفوذ الاقتصادي العميق
دول الخليج التي تسعى للعودة بقوة
بين العزلة والانفتاح.. سوريا على مفترق طريق
رغم الغموض الذي لا يزال يلف بعض تفاصيل الصفقة، إلا أن المؤكد أن دخول شركات أمريكية إلى قطاع الطاقة السوري بعد سنوات من العقوبات يعيد رسم خريطة الاستثمار الإقليمي.
السؤال الأهم الآن:
هل تُمهّد هذه الخطوة لعودة سوريا إلى المجتمع الدولي، أم أنها مجرد صفقة نفطية جديدة تعيد تدوير مصالح القوى الكبرى؟