كتبت- أبرار أحمد
في أمسية ساحرة داخل أروقة المسرح القومي، وقف الفنان الكبير يحيى الفخراني مجسدًا شخصية “الملك لير”، في واحدة من أعظم الأعمال التراجيدية لشكسبير. العرض الذي شهد إقبالًا جماهيريًا ضخمًا، أعاد الحياة إلى المسرح المصري، وحقق أصداء واسعة على المستويين الفني والثقافي.

عودة ملكية.. يحيى الفخراني يتوّج ملكًا على المسرح
بعد غياب عن خشبة المسرح، يعود الفنان يحيى الفخراني في دورٍ معقّد ومركّب، يعكس بعمق أزمة الإنسان في السلطة، والخيانة، والجنون. لم يكن مجرد تمثيل، بل تجسيدًا حيًا لمعاناة لير، الأب المُهان، والملك المخلوع، والإنسان المنكسر.
وقد أشاد النقاد والجمهور على حد سواء بأداء الفخراني، الذي قدم الشخصية بعمق درامي، وبصوت جهوري يملأ القاعة رهبة وانفعالًا.
إخراج أيمن الشيوي.. رؤية جديدة للنص الشكسبيري
جاءت بصمة المخرج أيمن الشيوي واضحة، حيث استطاع أن يُقدّم النص الكلاسيكي في إطار معاصر دون الإخلال بروح شكسبير. اعتمد على إضاءة ذكية، وتصميم ديكور بسيط لكنه بالغ التأثير، مع توظيف درامي للموسيقى والصمت، ما جعل من العرض تجربة حسية متكاملة.
الشيوي صرّح: “نحن لا نعيد تقديم شكسبير فقط، بل نعيد اكتشافه في ظل واقعنا المصري والعربي، حيث الصراع على السلطة والثقة والخيانة لا يزال قائمًا.”
طاقم عمل متكامل.. كل شخصية بمثابة بطل
لم يكن النجاح حكرًا على البطل وحده، بل شارك فيه نخبة من ألمع نجوم المسرح. فقدم كل ممثل أداءً احترافيًا يعكس فهمًا عميقًا للنص:
شخصية كونتي كنت ظهرت كرمز للولاء والوفاء، وتم تجسيدها بإحساس عالٍ.
ريغان وغونريل، الابنتان الخائنتان، عبرتا عن الطمع والنفاق ببراعة.
فيما تألقت شخصية كوردليا كرمز للنقاء والإخلاص.
الرسائل الإنسانية والسياسية.. بين الماضي والحاضر
تكمن عبقرية “الملك لير” في أن النص الشكسبيري، رغم أنه كتب في القرن السابع عشر، لا يزال يحمل رسائل معاصرة. العمل يُسلّط الضوء على قضايا فقدان السلطة، الغرور السياسي، التفكك الأسري، وخطر الخيانة من أقرب المقربين.
وقد أشار النقاد إلى أن العمل يحمل أوجه شبه كثيرة مع المشهد السياسي العربي، ما أعطاه بُعدًا جديدًا يُلامس الجمهور بشكل مباشر.

الإخراج التقني.. صوت وإضاءة وديكور يخدم الفكرة
الديكور اعتمد على رمزية واضحة: العرش في المنتصف كان مركز التوازن في البداية، ثم تم تفكيكه تدريجيًا مع سقوط لير. أما الإضاءة، فاستخدمت للتنقل بين الحالات النفسية، فكانت العتمة ترافق لحظات الندم، والضوء الأبيض يعكس الحقيقة المجردة.
ردود الفعل.. تصفيق حار وطلب لإعادة العرض
الجمهور الذي حضر العرض، من كبار الفنانين والمثقفين والجمهور العام، وقف أكثر من مرة تحية للفخراني ولفريق العمل. وقد تزايدت المطالبات بإعادة العرض في محافظات مصر المختلفة، نظرًا لقيمته الفنية والثقافية.
هل أنقذ لير المسرح؟
ربما لا يمكن لمسرحية واحدة أن تنقذ حالة كاملة من التراجع الفني، لكن عرض “الملك لير” بهذا الشكل، يُعد بمثابة جرس إنذار وبداية لنهضة جديدة. المسرح لا يزال قادرًا على التأثير، ولا يزال يجد من يعيده إلى الحياة، حين يجتمع النص العبقري مع الممثل الأسطورة والمخرج المفكر.