كتبت-أبرار أحمد
بين التوترات الأمنية والانفلات المسلح، تعيش محافظة السويداء السورية واحدة من أصعب لحظاتها منذ اندلاع الحرب السورية. خلال الأيام الماضية، تصدرت السويداء المشهد بعد تقارير عن انسحاب الجيش السوري بالكامل من المحافظة، وارتكاب مجازر مروعة على يد مجموعات مسلحة خارجة عن القانون، ما أثار حالة من الرعب بين السكان وطرح تساؤلات كبرى حول مستقبل الجنوب السوري.
انسحاب الجيش السوري: فراغ أمني مقلق
أعلنت مصادر محلية وإعلامية أن الجيش السوري انسحب بشكل كامل من محافظة السويداء، في خطوة أثارت الكثير من التساؤلات والقلق بين الأهالي والمراقبين. الانسحاب جاء وسط تصاعد عمليات العنف التي تنفذها جماعات مسلحة غير خاضعة لسيطرة الدولة، ما ترك المحافظة في حالة فراغ أمني خطير.
التحليل السياسي يربط هذا الانسحاب بخيارات استراتيجية من قبل النظام السوري، سواء لإعادة التموضع أو ترك المنطقة تواجه مصيرها في ظل حالة من العصيان المدني والرفض الشعبي لسياسات الدولة المركزية.
المجازر في السويداء: رعب يلف الجنوب السوري
بحسب تقارير وشهادات من ناشطين محليين، ارتكبت مجموعات خارجة عن القانون مجازر دامية خلال الأيام الأخيرة بحق مدنيين في عدة مناطق من المحافظة. وتحدث الأهالي عن إعدامات ميدانية، وخطف، واعتداءات على منازل المدنيين، وسط غياب كامل للأجهزة الأمنية أو تدخل الدولة.
ووثقت منظمات حقوقية عمليات قتل جماعي في قرى مثل “شهبا” و”عتيل”، كما أُبلغ عن استخدام الأسلحة الثقيلة في الاشتباكات بين الجماعات المسلحة.
من يقف وراء هذه الجماعات؟
تشير مصادر محلية إلى أن هذه الجماعات تضم عناصر من الميليشيات الطائفية وعصابات تهريب، بالإضافة إلى مجموعات ذات طابع محلي فقدت الثقة بالدولة المركزية. في بعض الحالات، يُقال إن هذه الجماعات كانت سابقًا على علاقة بالنظام السوري نفسه، لكنها خرجت عن السيطرة بعد سنوات من الفوضى.
وبعض التحليلات تشير إلى وجود صراع نفوذ بين أجهزة أمنية سورية في خلفية المشهد، خاصةً بين “الأمن العسكري” و”المخابرات الجوية”، مما ساهم في تغذية التوترات والانقسامات.
خلفية الأزمة في السويداء
منذ بداية الثورة السورية في 2011، كانت محافظة السويداء (ذات الغالبية الدرزية) تحاول النأي بنفسها عن الصراع المسلح. لكن مع الوقت، دخلت المحافظة في دوامة من الاضطرابات بسبب تهميش اقتصادي، واحتقان طائفي، وغياب التنمية.
وفي السنوات الأخيرة، تزايدت عمليات الخطف مقابل الفدية، والتهريب، وظهور الميليشيات المسلحة. كما شهدت المحافظة أكثر من 30 احتجاجًا شعبيًا ضد تدهور الوضع الاقتصادي وقرارات الحكومة، كان أبرزها في 2023، عندما خرجت مظاهرات واسعة طالبت بإصلاحات حقيقية.
كيف كان رد فعل الدولة؟
حتى الآن، لم تصدر الحكومة السورية بيانًا رسميًا واضحًا بشأن انسحاب الجيش أو الأحداث الأخيرة. لكن مصادر إعلامية مقربة من النظام حاولت التقليل من حجم ما يجري، معتبرة أنه “إعادة انتشار عسكرية مؤقتة”.
في المقابل، يرى مراقبون أن الدولة تتعمد ترك بعض المناطق للفوضى، إما كعقاب جماعي أو لإعادة بسط نفوذها لاحقًا من خلال خلق الحاجة إلى تدخلها.
الموقف الدولي: تجاهل أم ترقب؟
رغم خطورة الأحداث، لم تصدر أي مواقف قوية من القوى الدولية الكبرى مثل روسيا أو الولايات المتحدة. ويرى مراقبون أن الجنوب السوري خارج أولويات المجتمع الدولي حاليًا، خصوصًا مع انشغال العالم بأزمات كبرى في أوكرانيا وفلسطين.
لكن تقارير إعلامية أشارت إلى قلق أردني وإسرائيلي من تمدد الفوضى جنوب سوريا، ما قد يهدد أمن الحدود.
أصوات من داخل السويداء
قال أحد الناشطين المحليين لموقع “سالمينا”:
“نحن محاصرون بين عصابات لا ترحم، ودولة غائبة لا تهتم.. نعيش في حالة من الرعب اليومي.”
وأضافت إحدى السيدات:
“منذ انسحاب الجيش، لا نعرف من يحكمنا.. نسمع صوت الرصاص ليلًا ونهارًا، ولا نجرؤ على الخروج من بيوتنا.”
المستقبل القريب.. إلى أين تتجه السويداء؟
الوضع الحالي في السويداء ينذر بانفجار أكبر، ما لم يتم إعادة ضبط المشهد الأمني والسياسي في الجنوب. ويتحدث محللون عن ثلاثة سيناريوهات محتملة:
تدخل عسكري لإعادة السيطرة.
دخول وساطة دولية لفرض حل سياسي محلي.
تفاقم الفوضى وتحول السويداء إلى منطقة خارجة عن السيطرة كليًا.
ما يجري في السويداء ليس مجرد حدث محلي، بل مرآة للأزمة السورية بأكملها؛ دولة متآكلة، مجتمع غاضب، وانتشار للسلاح خارج المؤسسات. وما لم تتحرك الحكومة والمجتمع الدولي سريعًا، فقد تتحول المحافظة الهادئة سابقًا إلى بؤرة جديدة للفوضى في الجغرافيا السورية.