الشارع الأدبي سفينة تنحى الكبار عن قيادتها
المشهد الثقافي المصري يعاني ردة على المستويين الابداعي والنقدي
حوار أجرته/ رابعة الختام
أعلنت إدارة جائزة “كتارا” الثقافية في دورتها الحادية عشر قائمة الـ18 أو القائمة الطويلة للفائزين في فرع الرواية التاريخية ومن بينهم الروائي المصري مصطفى سليمان، عن روايته التاريخية “ثيودرا فاطمة”.

مصطفى سليمان صاحب باربروسا، ابن المدرسة الكلاسيكية في الأدب، حداثي في كتابته لدرجة أخجلت نظريات النقد الحديث، له العديد من الأعمال أربعة عشر إصدارا، هي: (امرأة من سراييفو، باربروسا، حكايات الأستاذ، كلاب جائعة، هاتف النبوءة، الثلاثية “حلم نما تزي، حلم إبراهيم، حلم النيل”، الغيبوبة، حكاية ولد بيبرس، وأولاد الخواص، سنوات الغروب، ريشة بن قرطاس)، حاصل على بكالوريوس العلوم والتربية من جامعة حلوان عام 1991، عضو اتحاد الكتاب، ونادي القصة، حصل سليمان على المركز الثاني في جائزة إحسان على القدوس لعام 1994 ، والمركز الثالث للقصة القصيرة في نادي القصة عام 2002 ، والمركز الثاني بنادي القصة عن روايته “حكايات الأستاذ”

الحوار معه متعة؛ مثقف موسوعي، مطلع على معظم الآداب الغربية والفنون، قارئ نهم، نظن أننا نباغته بالسؤال، فلا يأخذ وقتا للتفكير ولكن يُفاجئنا بإجابات سريعة متراصة في إحداثية رياضية كما لو كان ظلاً يجهز الإجابات لساعات، تخرج كلماته كالنهر الهادئ سريعة، متلاحقة، متدفقة. فكان معه سطور الحوار التالي …
**بماذا تصف شعورك بعد صعودك للقائمة الطويلة لجائزة كتارا؟
*لا أبالغ حين أقول أنني بعد كل هذه الكتابات لا أجد وصفاً مناسباً أعبر به عن حالتي النفسية ومدى سعادتي، فالقائمين على الجائزة صقور تلتقط الأعمال الجيدة بحيادية ونزاهة، وهذا ما نحتاج إليه، وقد ظلمت كثيراً واستباحوا دمي على منصات التحكيم في جوائز محلية تحكم لجانها الشللية والواساطات.

**بماذا تصف الشارع الأدبي في لحظته الراهنة؟
*الشارع الأدبي سفينة كبيرة، تنحى الكبار عن قيادتها بسبب أو آخر، مثل القاص جار النبي الحلو، المترجم أنور إبراهيم، الشاعر عبد المنعم رمضان، الدكتور عماد أبو غازي، وغيرهم كثير؛ مما أتاح الفرصة للوصوليين والانتهازين لتشويه المشهد الثقافي المصري، مما أدى إلى الترويج لأشباه المثقفين.
**هل تعتقد أن الكتابات الحديثة تخطت المدارس الأدبية والنقدية التقليدية؟
*للأسف لا ، حزنت جدا أنَّ بعض الأدباء الشبان يكتبون رواياتهم نقلا عن أفلام أجنبية، ويدعون أنها من إبداعهم، أين الإبداع في هذا؟! لكي يتجاوز المبدع المدارس الأدبية التقليدية عليه فهم المشهد الثقافي، وخلق لون ثقافي خاص به، ولن يتمكن من هذا إلا بعد سنوات من الإبداع.

**هل تخطى الأدباء التجربة المحفوظية في الرواية والإدريسية في القصة القصيرة؟
*التغيير هو الثابت الوحيد، إلى الآن لم أر للأسف مبدعا تجاوز نجيب محفوظ في الرواية، الكتاب المشهورون أقل في المستوى من الأدباء الحقيقيين، لاحظي انتشار روايات الرعب، وروايات ضحلة المستوى، لكن في القصة القصيرة، أرى – وهذه وجهة نظر خاصة بي – أن محمد حافظ رجب ويحيى الطاهر عبد الله ومحمد المخزنجي تجاوزوا يوسف إدريس في فن القصة القصيرة.
**هل يكتب مصطفى سليمان كتابات حداثية؟
*يمكن اختزال الحداثة الأدبية في تذوق الإنسان للكلمة، وتخلصه من الأيديولوجية، وانتمائه إلى الجمال المحسوس، وعمق نظرته، مثل استخدام أسلوب المونتاج السينمائي في الكتابة، واهتمامه بكل ما هو عصري وجديد وطرح كل ما هو قديم.
لا يمكنني الإجابة عن هذا السؤال بشكل حاسم، الأفضل أن يجيب عليه ناقد يقوم بدراسة ما أكتب، والسؤال الآن: هل يقدم النقاد دراسات نقدية عن كتاب من الجيل الأحدث، دون أن يكونوا فائزين بجائزة!

**بعد الكتابة الواقعية السحرية ثم الحداثية وما بعد الحداثة، ماذا ينتظرنا أدبيا وثقافيا؟
*في المشهد الثقافي المصري ردة على كافة المستويات الإبداعية والنقدية، هناك مبدعون لهم “ألتراس” من المعجبين يدعمونهم من خلال المنصات الأدبية، يقومون بالدعاية، رغم تدني مستوى العمل، نحن نحتاج لنظرة أدبية حيادية للمنتج الأدبي، دون تحيز لمصالح خاصة وشللية، وترك مبدأ إن لم تكن معي فأنتَ ضدي، والفصل بين الصداقة والإبداع الأدبي.
**في مجموعتك القصصية ريشة بن قرطاس، قدمت تجربة مغايرة ولغة سردية مختلفة، فهل تتعمد ذلك أم تؤمن بأن كل نص يكتب نفسه؟
*نبدأ من نهاية السؤال، أنا ضد مقولة “أنَّ كلَّ نص يكتب نفسه، على المبدع ممارسة حقه وسلطته في الإبداع.
في مجموعة ريشة بن قرطاس، لكل عدد من القصص تيمة وأسلوب يختلف عن باقي المجموعة، منتظر مقالات النقاد أو دراستهم للمجموعة، أسوأ ما قيل عن ريشة بن قرطاس أن العنوان به، خطأ لغوي، وقلت هل قرأت النص ؟ يجيب لا، فأخبره أن الاسم ريشة بن قرطاس اسم مذكر مثل حمزة بن إبراهيم!

**في روايتك حلم نماتزي، تكتب عن الأفارقة وقضية ربما تبدو بعيدة عن قضايا المجتمع المصري، فكيف التقطت الخيط الأول لكتابتها ؟
*الخيط هو تمجيد الجندي المصري البسيط، الذي ذهب جنوبًا إلى بحيرة فيكتوريا، وأقام شرقًا في هرر وبربرة ومصوع وسواكن حارب في أثيوبيا، أين هذه المعالم من السينما والأدب.
**ما أهم معالم مشروعك الإبداعي؟
*مشروعي الأدبي ينقسم إلى: القسم الأول أن أكون شاهدا على زمني والعصر الذي أعيشه، وظهر هذا في روايات حكايات الأستاذ، حكاية ولد، الغيبوبة. القسم الثاني الذي أوشكت على الانتهاء منه هو إضاءة للمناطق والشخصيات التي أغفلها التاريخ عن عمد، أعتقد أني من أوائل الكتاب، الذين كتبوا عن الصراع العرقي بين الصرب والبوسنة، وخرجت روايتي امرأة من سراييفو كذلك. كنت من القلائل الذين كتبوا عن خير الدين وعروج في رواية باربروسا، إذا من حقي أن أكتب عن المجد المصري الذي صنعه الجندي في عهد الخديوي إسماعيل، واكتشاف منابع النيل في ثلاثية أحلام النهر، نشر الجزء الأول منها بعنوان حلم نماتزي، ثم نشرت الثلاثية كاملة، أشير فيها إلى وصولنا جنوبًا إلى بحيرة فيكتوريا وشرقا إلى هرر وبربرة في الجزء الثالث أطرح سؤالي .. ماذا لو جف نهر النيل؟
**ما هي خططك المستقبلية؟
*أحلم بخروج كل كتاباتي للنور، هناك العديد من الأفكار مسطورة في الأوراق، أتمنى أن أتفرغ للإبداع وهذا مستحيل لذا سأكتب قدر ما أستطيع، لم يبق من حلمي إلا ثلاث روايات، وأنتهي من إضاءة المناطق التاريخية، التي أغفلها الغرب أو أشار إليها إشارة عابرة، فمثلا يصوّرون “عروج” وإخوته بأنهم قراصنة لصوص يسرقون ويغتصبون النساء، ويُغيرون على المدن الساحلية بجنوب أوروبا، ولم يشر أحد أنه أنقذ 70 ألف مسلم من محاكم التفتيش، بخلاف اليهود، وكان من ضمن قاداته سنان اليهودي.
**أنت معلم رياضيات، فكيف اتجهت للكتابة الإبداعية؟ كيف، ومتى، ومن اكتشف موهبتك؟
*بدأت موهبتي الإبداعية نهاية المرحلة الإعدادية، في الصف الأول الثانوي ذهبتُ لزيارة صديقي أحمد رشاد كمالي – صاحب ومحرر مجلة أيام مصرية الآن – لزيارة مكتبة والده، لتختلف قراءاتي بعد هذه الزيارة، بدأت بقراءة الأدب العالمي: إيفان تروجينيف، إيف اندريتش أريا ري ماك، تولستوي، دوستويفسكي، بلزاك، وبدأت الكتابة من هذه السن، أول من شجعني على الكتابة أصدقائي مدرسو اللغة العربية، كانت سعادتي لا توصف عندما نشر لي الاستاذ محمد رخا أول قصة بعنوان “اللص”.
السكندري محمد رخا أعتقد أن هذه القصة هي شهادة ميلادي الأدبي.
**أستاذ الرياضيات هل يمارس تمارين عقلية وذهنية لتنشيط عقله قبل الكتابة؟
*علمتني الرياضيات أمرين أولهما أن أجيد البناء المعماري للرواية، ثانيا أن لكل مشكلة إبداعية أكثر من حل وأكثر من احتمال.
**ما أهم مكونات مكتبتك الخاصة؟
*بدأت أكون مكتبتي في منتصف الثمانينيات، اعتمدت في تكوينها على شراء الكتب المستعملة من سور الأزبكية. زمان كان حول حديقة الأزبكية بائعو الكتب، وأكشاك كتب كانت في ميدان السيدة زينب عند موقف التروماي، ثم انتقلوا إلى أسفل كوبري أبو الريش بجوار محطة مترو السيدة زينب، ولا أنكر دور مكتبة الأسرة، التي قامت بها السيدة سوزان مبارك، لولا هذا المشروع ما كان في مكتبتي ذخائر من الكتب مثل: سلسلة سليم حسن الحضارة الفرعونية، النجوم الزاهرة لحكام مصر والقاهرة لابن تغري بردي، مقدمة ابن خلدون، وشخصية مصر لجمال حمدان، والعديد من الكتب القيمة، أتمنى أن يرث أبنائي المكتبة، أحزن لمن يهدي مكتبته إلى مكتبات عامة أو جامعية لأنهم يخزنونها في كراتين، ويساء استخدامها. الأفضل توزيعها على أناس يهتمون بالثقافة ويعرفون قيمة الكتاب.
**كيف تشكلت ذائقتك الإبداعية؟
*تعلمت النقد على يد الأستاذ الدكتور سيد حامد النساج، وقرأت الكثير من كتبه، وكذلك الدكتور حمدي حسين، الأستاذ الدكتور محمد حسن عبد الله وغيرهم، تعلمت كيف أقرأ، وليس كم أقرأ! يجب أن تتذوق الإبداع من كل البلاد. الروس ثم الفرنسيون هم أساتذة فن الرواية.
قال لي: عندما تقرأ ضع في ذهنك أن ليس كل شائع جيد، فالعالم لم يعرف كافكا إلا بعد وفاته، أحببت ايفو اندرتش دوستويفسكي جي دي موباسان مكسيم جوركي، جوزيه ساراماجو، والآن أتناقش مع صديقي وأبي الروحي الأستاذ الدكتور محمد حسن عبد الله والصديق الشاعر عبد المنعم رمضان وأصدقاء “قعدة الجمعة” حول الجديد من الأدب من هذه القعدة تعرفت على طلعت الشايب، طلعت شاهین وحيد الطويلة، الدكتور أنور إبراهيم، الدكتور عبد المقصود عبد الكريم، والكثير من الوسط الثقافي.
**هل أثرت بيئتك الجنوبية على تشكيل وعيك؟ وكيف هذا ؟
*أولا أنا جنوبي الاسم والدي من أسوان، لكن لم أزرها أبدا، حياتي كلها في القاهرة؛ فأنا قاهري المولد والنشأة والتربية، وأحببت القاهرة، وخاصة منيل الروضة والسيدة زينب، تجولت في الكثير من أحياء القاهرة الكبرى.
**من هم أباء مصطفى سليمان في الرواية وفي القصة القصيرة؟
*أنا ابن لكل من قرأت له، أحببت توفيق الحكيم، نجيب محفوظ، فتحي غانم، عبد الحليم عبد الله، زكريا تامر، حنا مينا.. وأحب قراءة الشعر جدا، قرأت العديد من الدواوين الشعرية، في فترة من الزمن أحبت رباعيات صلاح جاهين، وهي سبب في معرفتي برباعيات الخيام، أحببت المتنبي وأبا العلاء من خلال دراستي، صلاح عبد الصبور، أدونيس، محمود درويش، أمل دنقل، لا أحب الشعر المترجم لفقدانه الموسيقى الداخلية، كلما سمح الوقت أقرأ الشعر، أحببت شعر صديقي الراحل إيهاب خليفة، وشعر عبد المنعم رمضان، عبد الرحمن مقلد، عمر شهريار، عادل جلال، وأحاول متابعة الجديد قدر المستطاع في الأدب عموما.
**قديما لم يكن الأدباء يكتبون على الأغلفة قصة أو رواية، فهل تعتقد أن الفارق بين القصة والرواية كبير؟
*أولا هناك فرق بين القصة والرواية، شئنا أم أبينا، لكن التجريب أفسد مفهوم الرواية، ولا أتخيل رواية قائمة على ثرثرة، هناك من تركوا مؤلفات كثيرة، أعتبرها مجرد حكي.. ثرثرة، فمثلا أعمال إسماعيل ولي الدين تقع تحت مظلة الرواية، ولا أتخيل قصة تعذب القارئ في الوصول إلى هدفها. بعض الكتاب يمارسون الاستعراض الثقافي في كتابته، لاحظ ما كتبه ماركيز الحب في زمن الكوليرا، 100 عام من العزلة؛ إيزابيل الليندي في بيت الأشباح، ابنة الحظ؛ الجميلات النائمات لـ ياسوناري كاوباتا؛ العمى لـ سارا ماجو، لاحظ أيضًا دان براون في شفرة دافنشي ملائكة وشياطين؛ كازانتازاكس في زوربا، العطر لـ باتريك زوسكيند؛ القارئ لـ برنهاد شلينك. على المبدع أن يجرب بفن، يجرب بحبّ، وألا يكون التجريب للاستعراض الثقافي أو من بعد نص أو نصين، عليه التريث حتى لا يندم.

**لو قلنا لك اكتب نبذة مختصرة عن كل عمل لك، ماذا تكتب؟
*أول أعمالي إجمان وحافة الأمل، الذي استبدلت العنوان بعنوان أكثر بساطة هو امرأة من سراييفو في الطبعة الثانية، يشير هذا النص إلى التطهير العرقي في تسعينيات القرن العشرين بعد تقسيم يوغوسلافيا، وكان علي الإشارة إلى هذا التطهير العرقي.
في عملي الثاني في سلسلة روايات مصرية للجيب، ونظرا لمروري بضائقة مادية تنازلت عن حقي المالي للناشر، أندم على ذلك أشد الندم، مازالت الرواية تباع إلى الآن رغم مرور أكثر من 20 سنة على صدورها.
في عام 2002 ، فزت بجائزتين في نادي القصة الجائزة الأولى عن رواية حكايات الأستاذ التي صدرت في عام 2003، في العدد 193 من سلسلة إبداعات، وفازت قصتي القصيرة العصا بالمركز الثالث في نفس العام، لم أفز بجائزة بعد ذلك حتى الآن، لكن سعادتي هي تقدير الناس لما أكتب، خاصة ممن لا يعرفونني، أو ليس بيني وبينهم صلة.
كان عملي الثالث بارباروسا، التي عكفت على كتابتها وقراءة المراجع من 2004 إلى 2009 وتخرج إلى النور في 2009 عن دار أرابيسك، ولم يهتم بها الناشر، فنشرت الطبعة الثانية عام 2015 مع دار غراب للنشر، خلال خمس سنوات متتالية وصلت إلى الطبعة الخامسة، وأسعدني ذلك، يمكن القول أن شهرتي في الوسط الأدبي بهذا العمل.
في 2006، اكتشفت سرقة عدد من قصصي، التي كانت تذاع في البرنامج الثقافي، مما دفعني لطبع مجموعتي القصصية الأولى هاتف النبوءة عام 2006 ونجحت فيه شطب عضوية السارق من اتحاد الكتاب، لتكون أول حادثة شطب عضو من الاتحاد.
أكتب وأحتفظ في الدرج بعدد من المخطوطات، التقط ابني مخطوطة حكاية ولد وقرأها، وقال لي إنه يتمنى أن أنشرها، بالفعل نشرتها طبعة محدودة مزجت في هذه الرواية بين اللغة السردية والرسم، تسجل هذه الرواية نشأة إحدى المناطق العشوائية في سبعينيات القرن العشرين منطقة بولاق الدكرور، الرواية على لسان طفل يمتلك موهبة الرسم.
ثم تأتي الرواية التالية، التي ترصد الواقع بعنوان الغيبوبة، التي انتظرت في أروقة النشر في الاتحاد ما يقرب من تسع سنوات، وخرجت للنور مع دار الأدهم.
تخرج رواية سنوات الغروب التي أعدت كتابتها أكثر من ثلاث مرات، وهي نظرة مستقبلية بعد انهيار الحضارات والمدنية، ماذا سيجري في هذا العالم ؟ إذ تحول لعدد قليل من الجزر المتفرقة، في نفس العام عكفت في النصف الثاني من عام 2018 على كتابة رواية الظاهر بيبرس وأولاد الخواص، هذا النص أتحدث فيه عن بيبرس والطبقة الحاكمة وأولاد الخواص الذين يمثلون الشعب المصري في تلك الفترة، حاولت أن أكتب ككاتب محترف يمكن أن يُكلف بكتابة نص أدبي، ويعمل خلال زمن محدد، نجحت التجربة مع أن الناشر لم يف بوعده والتزاماته، لظروف خاصة به، أسعى الآن لإعادة طبعها مرة اخرى.
رواية حلم نماتزي أول ثلاثية أحلام النهر، التي تنقسم إلى حلم نماتزي، حلم إبراهيم، حلم النيل؛ انتهيت من هذه الثلاثية في 2020 وإلى الآن أبحث عن دار نشر تتولى نشر الثلاثية كاملة، هذا العام أسعى بجد للنشر، وهو أحد أحلامي.
في هذه الثلاثية، أهتم بالنيل في عهد الخديوي إسماعيل في الجزأين الأول والثاني، في الثالث نظرة مستقبلية ماذا إذا جف النيل؟ ما أثر هذا الجفاف على هذا الوادي؟ ويتفق هذا الجزء مع رواية سنوات الغروب في النظرة المستقبلية للعالم.
أخيرا، مجموعة ريشة بن قرطاس، تتكون من 23 قصة قصيرة، كل مجموعة من القصص تتسم بتيمة مختلفة عن الأخريات، أسلوب قصة الطابور يختلف تماما عن أسلوب ريشة بن قرطاس، عن أسلوب رسالة ابن المشنوق، عن قصة ارتشاف.. وهكذا.
**ما كواليس روايتك بارباروسا ؟
*قضيتي في الكتابة الدفاع عن العرب والتاريخ العربي والمصري، تم تشويه برباروسا ووصفه بقرصان يعيش على السلب والنهب من خلال الأقلام أو الأعمال السينمائية، ولكنهم لم يذكروا أنه أنقذ 70 ألف موريسكي من محاكم التفتيش، وممن أنقذهم اليهود، عكفت سنوات على قراءة عشرات الكتب حتى كتبتُ المسودة الأولى. بعد كتابة 40 صفحة تقريبا مزقتها وأعدت الكتابة مرة أخرى، وخرجت إلى النور في 2009.
**ما الصعوبات التي واجهتك في نشر أول عمل إبداعي لك؟
*لم يكن في ذهني كتابة امرأة من سراييفو كعمل أول، كنت أود أن أكتب مجموعة قصصية قصيرة، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي واتحاد ألمانيا الشرقية والغربية، وتفكك تشيكوسلوفكيا، وكذلك يوغوسلافيا، ليبدأ الصراع العرقي في منطقة البلقان، ونلتفت جميعا إلى الصراع بين الصرب والبوسنة لم تكن المعلومات متاحة مثل هذه الأيام، أنا أحدثك عن عام
1992 حتى عام 1994، نجحت في صياغة العمل، لم توافق دار نشر على طباعتها، فطبعتها على نفقتي الخاصة انتهت المطبعة من عملها، وكنت أجريت استئصال الزائدة الدودية، وأصررت على استلام النسخ مع أني لم أفك “سلك الجراحة، أحضرتها إلى البيت، أهديت سائق التاكسي نسخة، صعدت بالنسخ إلى البيت كنت أسكن في الطابق الخامس، حققت لي هذه الرواية حصولي على عضوية اتحاد الكتاب منتسب؛ لأنه لم يكن عندي عمل آخر. يرجع الفضل في التحاقي باتحاد الكتاب إلى الراحل المبدع صبري موسى صاحب رواية فساد الأمكنة، وكاتب سيناريو فيلم البوسطجي، وأشاد بالرواية الشاعر محمد السيد ندا، الكاتب فؤاد قنديل والشاعر أحمد سويلم، كان كلُّ من يقرؤها يسألني هل سافرت إلى البوسنة؟ فأجيب لا، أقرأ نظرة شك في عينيه، وأؤكد أنني لم أسافر، كنت سعيدا بهذه الرواية، رغم الأخطاء المطبعية في هذا النص، في عام 2017 خرجت الطبعة الثانية، استبدلت العنوان “إجمان وحافة الأمل” بـ “امرأة من سراييفو”.
**ما بين النشر الخاص والنشر المؤسسي مسافة كبيرة، كيف تصفها ؟
*أتمنى أن تضع الدولة معايير للنشر الخاص، ولا يترك تحت مظلة العقد شريعة المتعاقدين، لاحظي كم عدد دور النشر هذا العام التي تشترط مساهمة المؤلف، فلا يعرف عدد النسخ التي طبعت ولا يحصل على أي مبالغ مالية، ولا يسترد جزءًا مما دفع، يمكن تقنين ذلك بأن تكون الطبعة محددة، مثلا 500 نسخة ولا تُعتمد الطبعة الثانية للناشر إلا بموافقة كتابية من المبدع، وأنه استلم مستحقاته المالية، لكن الوضع الحالي مزر. لاحظي.. جي كي رولينج، مؤلفة سلسلة هاري بوتر، من أعمالها شيدت قصرا، ماذا لو كانت في مصر!
أما النشر المؤسسي الذي يقوم به مجموعة من الموظفين لا يهتمون بالنصوص الإبداعية؛ لذا أفضل النشر مع دار نشر خاصة. نجحت مع دار غراب للنشر واشتركنا في ثلاث روايات.
**لمن من الكتاب المحليين والعالميين تقرأ ؟
*قرأت مؤخرا روايتين لخالد الحسيني، الكاتب الأفغاني، عندنا في مصر من يكتب أفضل منه، فروايته ألف شمس مشرقة هي رواية فيلم عربي في أربعينيات القرن الماضي إذا حذفنا الحياة الأفغانية من النص فليس هناك ما يبهر، ورواية سالباتيرا لـ بيدرو ما يرال أفضل من رواية ألف شمس مشرقة. أحاول متابعة الكتب الأكثر زواجا، أو يخبرني أصدقائي المبدعون أنها جيدة، أعيد قراءة فرجينيا وولف، تعجب بالنقاد سعيد يقطين، عبد الفتاح كيليطو الطيب بوعز، قرأت مؤخرا كتابا للدكتور محمد حسن عبد الله باكثير، أحاول متابعة الإصدارات الجديدة، فمثلاً قرأت رواية كف المسيح للكاتبة أمنية صلاح، رواية ما تروشيكا في أسوان لفتحي سليمان، نحن على أبواب عام دراسي جديد، تقل فيه ساعات القراءة، لكني ألتزم بالقراءة ساعة يوميا، عدا أيام الامتحانات، أقرأ الآن متاهة الإسكافي للشاعر عبد المنعم رمضان.
**ما طقوسك الخاصة في الكتابة والقراءة؟
*تعلمت أن أكتب في أي مكان، بشرط ألا يحدثني أحد، أحب أن أنفرد بالورقة والقلم، لا أحب كتابة الكمبيوتر. عند كتابة بيبرس وأولاد الخواص كنت أكتب ما بين أربع ساعات إلى ثمان ساعات يوميا، هذا أكثر عمل أرهقني في الكتابة لأني أردتُّ إنجازه في زمن محدد، نجحت في ذلك.
نصيحتي لأي كاتب.. اكتب وقتما تريد وفي أي مكان، لا تكن أسيرا الطقوس معينة، اكتب في المقهى، في المواصلات، احتفظ بمفكرة صغيرة في جيبك، دون فيها ملاحظاتك، حتى تختلي بنصك، الأفكار والجمل الأسلوبية طيور تحلّق حولك، اقتنضها متى هبطت على أرضك.
**كيف تصف الجوائز ؟ وهل تجد أنها منصفة في كل الأحوال؟
*هناك من يتفنون في اصطياد الجوائز. عن جائزة البوكر قال لي أحد الأصدقاء: قل لي من هم لجنة التحكيم أخبرك من الفائز، أما محليا هناك تلاعب عن طرق غير مشروعة، والكل يعرف ذلك، رغم كل هذا من حق الجميع أن يحلم بالفوز.
تخيل أن رواية بارباروسا تقدمت بها لجائزة الدولة التشجيعية ولم تفز، أقولها ولا أخجل، فقارنوا بين العمل الفائز بالجائزة وبين بارباروسا ستعرفون مدى العوار في الجوائز المصرية، التي أطلق عليها المثقفون العرب جوائز مشبوهة.
**من هو الكاتب الذي فجر موهبتك ؟ وما أول عمل قرأته ؟
*نجيب محفوظ عندما قرأت الحرافيش في أوائل الثمانينات اشتريتها من مكتبة الكرنك في محطة الرمد بالجيزة، ما زالت المكتبة في مكانها. نجيب حالة خاصة، لكني أحببت توفيق الحكيم، أقرأ له: أهل الكهف، السلطان الحائر، يوميات نائب في الأرياف مسرحية إيزيس. توفيق الحكيم لا يقل قيمة عن محفوظ، وكذلك فتحي غانم، هؤلاء من فجروا بداخلي هوس الكتابة.
**هل ترى أن الوسط الأدبي يعاني من الشللية؟
*مرض مزمن في الوسط الأدبي يؤثر على الكتاب، بل هناك أسماء بعينها تتحكم في لجان الجوائز في مصر، وهناك كتاب كل أعمالهم تصدر عن الهيئة العامة للكتاب ودار المعارف وهيئة قصور الثقافة، كل أعمالهم ! لم ينشروا في دور نشر خاص.
**كيف ترى مقولة .. نحن في زمن الرواية؟
*نحن في زمن هوس الرواية، لاحظي كميات الروايات المنشورة في الأعوام الأخيرة، أريد أحدا يخرج إلينا ببيلوجرافيا فيها عدد وأسماء الروايات المنشورة، كم عددها ؟ ما أفضلها ؟ بعض دور النشر ترفض نشر القصص القصيرة ودواوين الشعر، لدرجة تحول بعض الشعراء الكتابة الرواية ! من قال إنَّ زمن الرواية انتهى، إنه لم يقرأ المشهد جيدا.
**كيف تصف تجربة الأدباء الشباب ولمن منهم تقرأ؟
*جيل الشباب ! هل تقصدين جيلا يكتب من بداية القرن 21، جيل الألفية الجديدة حزين جدا لهؤلاء الشباب الذين ينقلون رواياتهم عن أفلام أجنبية – ذلك طمعا في الفوز بإحدى الجوائز ذات الوزن الثقيل. ويصرحون أنها من إبداعاتهم. صرح أحدهم بأن روايته تتماس مع فيلم أجني، هذا المحزن للغاية، لقد فعل مصطفى لطفي المنفلوطي ذلك حيث كان يستمع للقصص الفرنسية من أصدقاته، ويعيد تمصيرها وصياغتها باللغة العربية، وأحداث تتناسب مع الواقع المصري مثل رواية تحت ظلال الزيزفون ما الفرق إذا؟ هل نتقدم أم نتأخر؟ عندما تنقل عن فيلم أجنبي فأنت كمبدع تلغي شخصيتك… تلغي تميزك… تقتل موهبتك، عليك أن تكون أمينا مع نفسك ومع قراءك.
**هل تقتنع بأنه من واجب كل كاتب ومبدع مخضرم أن يأخذ بيد كاتب شاب ويدعمه ليخرج أعماله للنور؟
*العديد من النقاد والمبدعين والصحفيين تتلمذ على أيديهم الكثير من الكتاب، مثلا: عبد الفتاح الجمل وكذلك محمد جبريل ودكتور يسري العزب، الكتاب الجدد يعتقدون أنهم كبار، ويمارسون الإبداع أفضل من الأجيال السابقة لهم، لكن نشاهد كوارث مثلما نشاهد من يسرقون أفلاما ويدعون أنها من إبداعهم، دور النشر التي تطبع طبعات لا تزيد عن 50 نسخة، ونكتشف أن 10 طبعات توازي 500 نسخة؛ لذا من الضروري تقنين الطباعة، ولا تقل الطبعة عن 500 نسخة، ولا تطبع الطبعة الثانية إلا بعد حصول الكاتب على حقه المادي ويوقع بصدور الطبعة الثانية، أما ما يحدث فهو تهريج، في بعض المنتديات الثقافية على مواقع التواصل الاجتماعي أجد “رزع طوب” يصفق له رواد الموقع، ويظن صاحبه أنه ينافس العقاد وطه حسين وسلامة موسى، سوء الندوات الثقافية القائمة على المجاملة لأن هذا فلان صحفي في جريدة أو صاحب منصب في وزارة الثقافة أو دكتور جامعي، أو يرتبط بمجموعة تدعمه وتقف وراءه، وتنهش كل من يشير إلى أخطاء في الكتاب أو البناء الروائي، يجب أن تفصل بين الجانب الشخصي والإبداعي، لكن هذا الخلط لن يسمح بوجود القدوة في الكتابة.
**كيف ترى الكتابة العامية؟
*يشغلني الآن اللغة العربية وما أراه على مواقع التواصل الاجتماعي فمثلا كلمة والله تكتب “واللهي”، إن شاء الله تكتب “إنشاء الله”. بجانب اختراع لغة الخاصة الغريبة، يؤدي كل هذا لهدم اللغة. الكتابة باستخدام لوحة المفاتيح والبرامج الصوتية يؤثر على تعلم اللغة، لن تتمكن الأجيال القادمة من التمييز بين رسم الحرف، وصوته، واسمه مثلاً رسم حرف م ونطقها ميم، ولكن الصوت يختلف تماما عن نطق الحرف، إذا اللغة العربية تتسرب شيئًا فشيئًا من بين أيدينا. عندما تكتب بالعامية عملاً كاملاً نلاحظ اختلاف العامية من بلد إلى آخر، بل في بلد مثل مصر تختلف اللهجات في الصعيد عن لهجة البدو، أو اللهجات الأخرى، بأي عامية نكتب والكارثة الكبرى الاهتمام باللغات الأجنبية الأخرى مثل الإنجليزية، والإصرار على تعليمها للصغار، هذه الجريمة ترتكبها وزارة التربية والتعليم، لا بد أن يتعلم الصغار لغتهم الأم أولا، ويكتبون بها وينطقونها، ما يحدث تدمير اللغة، ولا أحد يسأل.
علينا نحن الكتاب أن نبسط اللغة ونعاملها ككائن حي، يحتاج إلى كل مقومات الحياة؛ لذا أشجع على حفظ القرآن الكريم، هناك العديد من الكتاب المسيحيين اهتموا بحفظ القرآن ليستقيم لسانهم، فأنا ضد استخدام كتابة السرد الروائي والقصصي بالعامية. الشعر العامي هو الشعر المحلي اللهجة، وسبب رواج اللهجة المصرية هو السينما، وهي أقرب اللهجات إلى الفصحى.
**بماذا تصف كلا من الأدب الساخر، أدب الجريمة، أدب الرعب، أدب المنافي والتهجير؟
*الأدب الساخر اختفى تماما من المشهد بسبب كثرة هموم الناس.
أما أدب الجريمة فله أصول وعلم لم نتقنه حتى الآن.
أدب الرعب أكثر انتشارًا في مصر؛ لأنه من السهل إثارة غريزة الخوف والفزع، لا أعترف به أبدا.
وعن أدب المنافي والتهجير نحن شعب يعشق الأرض، نادرا ما نغادرها أو نغادر أوطاننا، عكس بلاد المغرب والشام الذين كونوا أدب المهجر في القرن السابق، الذين قرأت لهم في أدب المهجر أسامة علام، طبيب مصري مهاجر إلى كندا، علي المقري كاتب يمني يعيش في لندن، علي بدر كاتب عراقي أظنه يعيش في لندن، أشد ما يزعجني انتشار الهجرة غير الشرعية، وأراها ناقوس خطر، خاصة أن الشعب يرتبط بأرضه.
|
**هل لدينا أدب حرب حقيقي، وأدب رعب، أم أن الأخير يدخل فيه جوانب الدجل والشعوذة والغيبيات؟
*أدب الحرب توقف بعد حرب 73 التي أنتجت سلسلة كبيرة من أدب الحرب، أتمنى أن تعيد الهيئة العامة للكتاب طباعتها، العديد من الكتاب استظلوا تحت مظلة الأدب مثل : القعيد ورواية الحرب في بر مصر، الغيطاني حكايات الغريب، مجيد طوبيا أبناء الصمت، بيروت بيروت صنع الله إبراهيم، رجال الشمس غسان كنفاني.
ثانيا أدب الرعب أتفق معك أنه يدخل في الدجل والتخاريف، يعتمد على إثارة غريزة الخوف لدى الإنسان، نحن نحتاج إلى أدب مصري يعبر عن واقعنا، يمجد تاريخنا ويدافع عنه، لا أدري ما هي موضوعات الأجيال القادمة. ما يحزنني أن القارئ الشاب يهرب من الواقع إلى قصص الخيال العلمي الذي اندثر تماما في مصر وقصص الرعب والفانتازيا، أصبحنا لا نقدر على مواجهة واقعنا، الأدب يحتاج إلى الحرية، حرية التعبير، تناول كافة الموضوعات. منذ سنوات كان لدينا أدب واقعي وأدب الحرب، وأدب الخيال العلمي الذي اندثر بوفاة نهاد شريف، أدب السجون مثل رواية “الزنزانة” لفتحي فضل رواية “حكاية فتحي غانم أراها من أدب السجون، نحن أصبحنا نخجل من تاريخنا، سمحنا لمن هم أقل منا علما وحضارة بالتطاول علينا والادعاء أنهم يملكون حضارة وثقافة، نحن نمر بمرحلة مرضية أتمنى أن نشفى سريعًا منها ونعود لدورنا الريادي. هناك عشرات بل المئات من المبدعين الحقيقيين، افتحوا لهم نوافذ حرية الإبداع، بضع سنوات سنتصدر المشهد الثقافي من جديد، وربنا يبعد عنا المتطفلين والطفيليين والنفعيين في الوسط الأدبي.