السادس عشر من يوليو.. شروق فجرٍ قاتم
تحقيق- أبرار أحمد
في السادس عشر من يوليو عام 1945، كانت البشرية على موعد مع حدث غير مجرى التاريخ، لا بفعل معركة تقليدية أو إعلان انتصار، بل عبر انفجار قلب قواعد العالم العلمي والإنساني والعسكري رأسًا على عقب. في صحراء “ألاموغوردو” النائية بولاية نيو مكسيكو الأمريكية، أطلقت تجربة “الثالوث” أول قنبلة ذرية في التاريخ، محدثة دوّيًا هائلًا وسحابة فطرية وصل ارتفاعها إلى 12 كيلومترًا، لتعلن بداية “العصر النووي”.
هذا الانفجار، رغم كونه علميًا في ظاهره، إلا أنه حمل في باطنه بذور فناء العالم، وجعل من التقدم العلمي أداة تهديد للبشرية بدلًا من أن يكون وسيلة لإنقاذها. فكيف حدث هذا التحول الجذري؟ وما الذي جرى في كواليس “مشروع مانهاتن” الذي مهّد لهذه اللحظة المرعبة؟
اكتشاف الانشطار النووي: حين بدأت اللعبة الخطرة
كانت أولى إرهاصات السلاح النووي قد ظهرت قبل الحرب العالمية الثانية، وتحديدًا عام 1938، حين نجح العالمان الألمانيان “أوتو هان” و”فريتز ستراسمان” في اكتشاف ظاهرة الانشطار النووي، التي أظهرت إمكانية توليد طاقة هائلة من تفتيت نواة الذرة.
هذا الاكتشاف العلمي البحت، سُرعان ما تحوّل إلى أداة في يد القوى الكبرى. فمع تصاعد نبرة العنف في أوروبا، خشي علماء الفيزياء المهاجرون إلى الولايات المتحدة – وعلى رأسهم ألبرت أينشتاين وليو زيلارد – من أن تستغل ألمانيا النازية هذا التقدم لتصنيع “سلاح خارق”.
وفي رسالة شهيرة وجّهها أينشتاين إلى الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت عام 1939، دعا إلى تحرك عاجل لمنع كارثة نووية في يد هتلر. كانت تلك الرسالة بمثابة الشرارة الأولى لإطلاق واحد من أعقد وأخطر المشاريع العسكرية في التاريخ.
مشروع مانهاتن: سباق العلم والموت
جاءت موافقة روزفلت الفورية لتدشين “مشروع مانهاتن” عام 1941، وهو برنامج سري ضخم جُنّد فيه أكثر من 130 ألف شخص، وموّل بمليارين ونصف دولار (ما يعادل 25 مليارًا حاليًا)، تحت إشراف عسكري صارم.
كان المشروع يتوزع على منشآت في نيو مكسيكو وتينيسي وواشنطن، لكنه تجمّع علميًا في “مختبر لوس ألاموس” تحت قيادة العالم الفيزيائي روبرت أوبنهايمر، الذي سيصبح لاحقًا رمزًا مأساويًا لصراع العقل مع الضمير.
عمل العلماء في سباق مع الزمن، خصوصًا مع تزايد المخاوف من أن تكون ألمانيا أو اليابان قد وصلت لمرحلة متقدمة في تطوير سلاح مماثل. ومع تعقيدات فصل اليورانيوم وتخصيبه، تم تطوير قنبلة من البلوتونيوم، وهي مادة أكثر تعقيدًا وخطورة.
تفجير “الثالوث”: الفجر الوردي للدمار
رغم إلحاح العلماء على اختبار السلاح الجديد، كانت هناك مخاوف حقيقية من فشل التجربة أو حتى نتائج كارثية غير متوقعة، وصلت إلى حد تحذير بعض العلماء من احتمال “اشتعال الغلاف الجوي” بأكمله.
لكن في فجر يوم 16 يوليو 1945، وتحديدًا الساعة 5:29 صباحًا، سُجّل التاريخ أول انفجار نووي في موقع “ترينيتي”. ارتفع عمود من النار والرماد والضوء ليتحول إلى سحابة “فطرية” هائلة، بدا وكأنها تبتلع السماء.
قال أوبنهايمر لاحقًا إنه تذكّر لحظة الانفجار مقطعًا من “البهاغافاد غيتا”، أحد النصوص الهندوسية:
“الآن أصبحت الموت، مدمّر العوالم.”
لم يكن يعلم أن تلك اللحظة ستنقل البشرية من عصر الحرب التقليدية إلى مرحلة “الردع النووي”، حيث يصبح التهديد بالفناء الشامل هو أداة السلام.
من التجربة إلى المأساة: هيروشيما وناغازاكي
لم يمر سوى أقل من شهر حتى وجّه السلاح النووي ضربته الفعلية الأولى للبشرية. ففي السادس من أغسطس، ألقت الولايات المتحدة قنبلة “الولد الصغير” على مدينة هيروشيما، تلاها قنبلة “الرجل البدين” على ناغازاكي في التاسع من الشهر ذاته.
قُتل أكثر من 200 ألف شخص بين لحظة الانفجار وما تلاه من إصابات إشعاعية. احترقت مدن بأكملها، وسُوّيت أحياء بالأرض، وتحولت آلاف الأجساد إلى رماد.
ورغم أن الهدف المعلن كان “إنهاء الحرب بسرعة”، إلا أن المنتقدين – حتى داخل الجيش الأمريكي – رأوا في هذا العمل اختبارًا حيًّا للقنبلة على البشر أكثر من كونه ضرورة عسكرية.
السباق النووي.. سلام هش تحت التهديد
فور انتهاء الحرب، دخل العالم في مرحلة جديدة تمامًا: سباق التسلح النووي. وبفضل تجسس العلماء السوفييت داخل مشروع مانهاتن، تمكن الاتحاد السوفيتي من إجراء أول تجربة نووية عام 1949، ليتحوّل توازن القوى العالمي إلى صراع دائم تحت “مظلة الردع النووي”.
ظهرت مفاهيم مثل “الدمار المتبادل المؤكد”، حيث لم يعد النصر في الحروب خيارًا، بل مجرد وهم، لأن أي صراع بين دولتين نوويتين سيعني فناء الطرفين – وربما البشرية كلها.
وفيما بعد، انضمت دول مثل الصين، بريطانيا، فرنسا، ثم باكستان والهند وكوريا الشمالية إلى “النادي النووي”. وظهر ما يُعرف بـ”السلام النووي”، وهو سلام يقوم على الخوف لا على التفاهم.

ثمن العصر النووي: كارثة مستمرة حتى اليوم
لم تقتصر آثار القنبلة النووية على ضحايا هيروشيما وناغازاكي، بل امتدت إلى آلاف المصابين في اختبارات نووية لاحقة، من صحارى أريزونا إلى جزر المحيط الهادئ.
وفي الداخل الأمريكي، عانى جنود ومدنيون شاركوا في أو شهدوا تجارب نووية من أمراض خطيرة، بينها السرطان والتشوهات الوراثية، ما اضطر الحكومة لتعويضهم لاحقًا.
ولا تزال النفايات النووية مشكلة قائمة، تُهدد البيئة والمياه الجوفية، وتحتاج آلاف السنين لتتحلل. كما أن خطر وقوع هذه الأسلحة في يد تنظيمات إرهابية أو خلال حروب خاطفة يثير فزع المجتمع الدولي حتى اليوم.
“أوبنهايمر”.. من المجد إلى الندم
بعد انتهاء الحرب، تحوّل أوبنهايمر من “بطل قومي” إلى شخصية مأساوية. بدأ يعبّر عن ندمه العميق، وقال في إحدى جلسات الاستماع الشهيرة:
“كان يجب أن نفكر أكثر قبل أن نفتح بابًا لا يمكن إغلاقه.”
وتعرض لاحقًا للتهميش والإقصاء من الدوائر الرسمية، وسط اتهامات بالشيوعية، قبل أن تتم إعادة الاعتبار له في السنوات الأخيرة.
هل تعلّم العالم من صدمة الثالوث؟
في الذكرى الـ80 لتجربة “الثالوث”، لا تزال الأسئلة الكبرى مطروحة: هل كان من الممكن تجنّب هذا السلاح؟ وهل نجح الردع النووي في منع حرب عالمية ثالثة؟ أم أنه أخفى الكارثة تحت قشرة من “السلام الكاذب”؟
ما نعرفه يقينًا أن لحظة انفجار أول قنبلة نووية لم تكن فقط لحظة علمية، بل لحظة فلسفية وأخلاقية أعادت صياغة العلاقة بين الإنسان والعلم، بين السلطة والمعرفة، بين القوة والمصير.
شهادة مؤرخ: “القنبلة لم تغيّر فقط الحرب.. بل غيّرت الإنسان نفسه”
يقول المؤرخ الأمريكي البارز ريتشارد رودس، الحائز على جائزة بوليتزر عن كتابه “صنع القنبلة الذرية”:
“ما حدث في 16 يوليو 1945 لم يكن مجرد لحظة علمية أو عسكرية، بل كان بداية عصر جديد تغيّر فيه مفهوم الحضارة. الإنسان الذي استطاع أن يشطر الذرة، أثبت أنه قادر أيضًا على شطر نفسه، أخلاقيًا وإنسانيًا. لقد صنعنا سلاحًا يفوق قدرتنا على تحمّل نتائجه.”
يضيف رودس أن التجربة لم تُنهِ الحروب، بل رفعتها إلى مستوى أكثر خطورة، حيث أصبحت الدول تحسب خطواتها لا بدافع الضمير، بل خوفًا من نهاية لا يمكن تداركها.
رؤية معاصرة: بين التهديد النووي وحلم السيطرة
وفي تصريح خاص ضمن ندوة للأمم المتحدة عام 2023، قال الباحث المصري د. طارق عبدالسلام، الخبير في قضايا الأمن الإقليمي:
“القنبلة النووية أصبحت أداة سياسية أكثر من كونها سلاحًا. توازن القوى العالمي يقوم اليوم على من يملك زر الإبادة. لكن الأخطر هو أن هذا الزر قد يسقط يومًا في يد من لا يملك حكمة استخدامه.”
وأضاف أن التحدي الحقيقي اليوم لم يعد في “من يملك السلاح؟”، بل “من يجرؤ على التخلص منه؟”، مشيرًا إلى أن العالم يعيش في ظل قنبلة موقوتة، لا أحد يعرف متى تنفجر.

مقارنة بصرية: من “الثالوث” إلى ترسانة اليوم
السلاح الدولة السنة القوة التدميرية (تقريبية)
قنبلة “الثالوث” الولايات المتحدة 1945 21 كيلوطن
“الولد الصغير” – هيروشيما الولايات المتحدة 1945 15 كيلوطن
“القيصر” – روسيا الاتحاد السوفيتي 1961 50 ميغاطن (أكبر تفجير نووي في التاريخ)
قنبلة كوريا الشمالية (تجريبية) كوريا الشمالية 2017 100–250 كيلوطن (تقديريًا)
ملاحظة: 1 ميغاطن = مليون طن من مادة TNT التقليدية، أي أن قنبلة “القيصر” تعادل نحو 2500 مرة من قنبلة هيروشيما.
ومع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وأزمات أوكرانيا وكوريا الشمالية وإيران، يبقى شبح القنبلة النووية حاضرًا، ويظل “الثالوث” جرحًا مفتوحًا في ضمير البشرية.