Share

التراجم عالم موازي

by Sallmina · يوليو 5, 2025

بقلم/ رابعة الختام


ترجمة نص من لغته الأم التي يملك الكاتب الأصيل للنص مفاتيحها ومدلولات معانيها مغامرة محفوفة بالمخاطر والألغام، حديقة تمتلأ أرضها بالأشواك الرفيعة ليس من حق الجميع السير فيها، فإن قرر أحدهم السير حافيا، عاري القدمين فهو إما مجنون لا يعرف كنة ما ينتظره من ويلات ومآسي وإنتقادات، أو عاقل يعرف كيف يفك طلاسم تلك الأشواك ويسير بين الألغام بخريطة الوعي البكر لا يصيبه ضرر أذى الأشواك أو إنفجار لغم في أي لحظة.
الترجمة الأدبية في حد ذاتها هي أدب موازي لا يقل في جماله وحرفيته ومهنية إختيار جمله وتراكيبه ومعاني مفرداته وصورها الفنية التعبيرية والدلالية عن النص الأصلي المأخوذ عنه.
لكن السؤال الوجودي في عالم المترجمات هو أن الترجمة غواية، لكن هل تخدم النص أم تهدمه؟
فالمترجم جسر بين الثقافات يثق القارئ برصانة جمله ومعانيها كونه ناقل للنصوص دون إخلال بالمعنى لمزيد من التواصل الأدبي والثقافي والحضاري بين الشعوب، مكمن الخوف من منظور الأسلوبية وتباينها عن النص الأصلي وسياقاتها الموازية للتدليل على عمق المعنى، تخوف يطويه المترجم المحترف.
وعلى الرغم من كون الترجمة فعل نخبوي إنتقائي لنصوصه لا يعني هذا أن يكون بمعزل عن الشعبوية ونشر الثقافة القرائية والإطلاع على ثقافات الشعوب وهذا ما لا يتسنى دون إلمام تام باللغتين والثقافتين والخلفيتين اللتين ينقل المترجم منها وإليها، بمعنى تطويع النصوص، وليس مجرد إقتباسات لغوية شحيحة المضامين، أو ترجمة حرفية فقيرة وقميئة تفقد النصوص مرونتها.
كنت أتساءل، هل الترجمة خيانة للنص أم إحياء له؟ فوجدت أنها بعث جديد مع كل رؤية مغايرة تطلع القارئ بفكر وثقافات الشعوب الأخرى، ولكنها بذات الوقت تضعه في حالة من المقارنة عند قراءة الكتاب بلغته الأصلية بعد قراءته مترجماً، فيتحول من الحكم على النص الأصلي للحكم على الترجمة، ممتازة، جيدة، متوسطة، رديئة وهابطة.
بعض المترجمين يشوهون النصوص بالحذف أو الإضافة وربما أضروا بالمعنى الذي أراده الكاتب الأصلي، وقد يعزف قراء عن نصوص مترجمة لمترجم بعينه لضعف بناء نصه المترجم أو تفكك النص وتهلهله بما ينحرف بالمضمون.
(مسؤولية تفوق التأليف)
الترجمة مسؤولية تفوق مسؤولية التأليف، كونها إعادة إنتاج للنص، وأمانة نقل المحتوى، وهذا سر تعليق الشاعر التركي ناظم حكمت حين ترجمت قصائده: أصبحت قصائد المترجم.
بنظري كان صالح علماني يترجم نصوصاً لاتينية وإسبانية وقيل إنه لا يقوم بدوره كمترجم عادي بل يكتب النسخة العربية للنص، وهذا سر تفوقه.
الترجمة رسالة إنسانية وقيمة أدبية فنقل الأجواء المكانية والزمانية أمر ليس بالهين قد يستقيم في الروايات والنصوص النثرية ولكنه في الشعر في غاية التشابك والتعقيد، فإما أمانة النقل والعرض، وإما خيانة تضع على المترجم علامات إستفهام تتجاوزها للرفض القاطع.
في حين تتعثر الترجمة العلمية بخطوات المعرفة المتقنة بالمصطلحات، فالمترجم هنا يجب أن يكون ضليعا في ذات العلم الذي ينقل عنه، كالطب والهندسة وغيرهما.

فالترجمة نافذة الآخر الذي لا يضطلع باللغة الرئيسة للنصوص بينما هو بحاجة ماسة لإشباع شغفه بالمعرفة وولعه بالإنفتاح الثقافي، ايصال المعنى بأمانة ومهنية وليس مجرد مفهوم دلالي
ولعل ما نشره المترجم سعد زهران في مقدمة كتاب إريك فروم “الإنسان بين المظهر والجوهر” يوضح بعض تصرفات مترجمين في النصوص الأصلية بما يشوه المعانى ويبتر بعضها بالحذف والإضافة بما يخل بالمحتوى.
(وهكذا فقد تدخلنا في مواضع قليلة بالحذف من الاقتباسات والإشارات الدينية، اليهودية والمسيحية التي أوردها فروم, لأنها غير مألوفة لدى معظم القراء العرب … ولذلك فلم يؤد حذفها إلى أي مساس بآراء المؤلف, بل نعتقد أننا زدنا أفكاره ثراء بالاقتباسات التي أسلفناها من القرآن الكريم. وعلى أي حال لم يزد ما حذفناه من الكتاب كله على عشر صفحات متفرقة لم تؤثر أبدا في سياق أفكاره.)
التابوهات التي تحكمت في عقلية المترجم هي ما دفعته لهذا الحذف وتلك الإضافة، فابتعدت مضامينها عن الأصل، كون الكلمة الواحدة في الأدب متعددة الدلالة لمعاني مختلطة وكلمات ذات وجوه متباينة بسبب الترادف والمجاز، فأكثر أخطاء المترجمين تعود لعدم التخصص.
الترجمة هي إعادة كتابة للنص، فإما تكون حرفية فقيرة ناقلة للمعنى الحرفي دون إضافة تذكر فيضيع معها المضمون، وإما نقلة نوعية للنص من حرفيته وفضائه الضيق لأفاق أكثر رحابة، وتمتين للنقلات والحبكات والتنويعات السردية، تضفي بريقا جذاباً يشد القارئ ويمتعه بنص رصين، دون سلبية التأثير الثقافي والاجتماعي للمترجم على روح المادة المترجمة بل إيجابيته المرجوة.
فهناك لغات بها ثقل وثراء ثقافي يقوي النصوص المترجمة وربما فاقت النص الأصيل، كالمجازات والتشبيهات الأدبية التي تنبثق من خصوصيات بيئة ولغة معينة.
تختلف من ثقافة لأخرى ومن بلد لغيره، لكن الضمير العلمي والثقافي يعطي اللغة العربية بفصاحة كلماتها وقوة ملولات كلماتها نسبة كبيرة من هذه الميزة.
(ترجمة الشعر)

ستظل إشكالية الترجمة الشعرية خاصة للقصائد الموزونة والشعر النبطي والأنواع شديدة الثراء والتخصص.
خيانة جميلة إذْ تحقق مطلب الترجمة في جل جوانبه، كما قد لا تصبح كذلك حين تظل خيانة معيقة لأي تطلع في هذا المجال•
وتشير بعض المصادر أن ترجمة ابن المقفع ”كليلة ودمنة” كانت من أوائل ما ترجم إلى اللاتينية•
فيما بعد شكلت أول ترجمة للفرنسية لكتاب (ألف ليلة وليلة) قام بها أنطوان غالان، ثم إلى الإنجليزية، الحدث الأدبي الأهم في الغرب• وظل هذا الكتاب محل أبحاث وترجمات عديدة منها ما قام به قبل سنوات أندريه ميكيل وجمال الدين بن الشيخ وكلود بريمان في فرنسا.

يظل شح المصادر العلمية في رصد تاريخ الترجمة عائقا أمام التأريخ الدقيق خاصة من العربية في العصور اللاحقة باستثناء بعض الإشارات، فقد ازدهرت في بعض المراحل الترجمة إلى العربية.
فيذكر باحثون أن في عهد محمد علي بمصر (1805 ـ 1849) تم نقل أربعمائة وأحد عشر كتاباً إلى العربية، بينما ترجم كتاب واحد فقط من العربية إلى الفرنسية•
لاحقا وتحديدا في العصر الحديث، حسب بعض الإشارات التاريخية فقد نشر عام 1937 للكاتبة المصرية قوت القلوب الدمرداشية روايتها الأولى بالفرنسية بعنوان (الحرملك)• كما نشرت عام 1932 لطه حسين ترجمة بالإنجليزية لكتابه (الأيام)، وهو سيرته الذاتية يسرد فيه قصة حياته وتحديه لفقدان البصر، وسفره لفرنسا• وفي عام 1947 نشرت في لندن أول ترجمة إنجليزية لرواية عربية وهي ”يوميات نائب في الأرياف” لتوفيق الحكيم.

You may also like