بقلم: أبرار أحمد
في تصعيد قانوني جديد يكشف عن تصاعد التوتر بين عدد من الولايات الأمريكية وإدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، رفعت 20 ولاية دعوى قضائية جماعية تتهم فيها الإدارة بارتكاب “انتهاك دستوري” بعد قرار مفاجئ بوقف برنامج حيوي للمنح الفيدرالية يُعرف باسم “برنامج بناء البنية التحتية والمجتمعات المرنة (BRIC)”، والذي كان يشكّل أحد الأعمدة الأساسية في جهود الاستعداد لمواجهة الكوارث الطبيعية.
الولايات ترد بالمحكمة: لا للتقليص.. نعم للجاهزية
رفعت الدعوى يوم الأربعاء في محكمة بوسطن الفيدرالية بولاية ماساتشوستس، واتهمت إدارة ترامب بالتصرف بشكل “أحادي وغير قانوني”، من خلال إلغاء برنامج BRIC دون الرجوع إلى الكونغرس، ودون اعتبار للمخاطر المتزايدة التي تواجهها البلاد من فيضانات، أعاصير، حرائق غابات، وزلازل.
وفي الدعوى، ورد نص واضح يؤكد أن هذه الخطوة تمثل “انتهاكًا واضحًا لمبدأ الفصل بين السلطات”، حيث يُفترض أن يكون للكونغرس وحده سلطة تخصيص الميزانيات وصرفها.
20 ولاية على خط المواجهة
الولايات التي انضمت إلى الدعوى القضائية هي: أريزونا، كاليفورنيا، كولورادو، كونيتيكت، ديلاوير، إلينوي، مين، ميريلاند، ماساتشوستس، ميتشيجان، مينيسوتا، نيوجيرسي، نيويورك، كارولينا الشمالية، أوريجون، بنسلفانيا، رود آيلاند، فيرمونت، واشنطن، وويسكونسن. وتشترك هذه الولايات في قيادة ديمقراطية، ما يضفي طابعًا سياسيًا إضافيًا على القضية.
ما هو برنامج BRIC؟
برنامج BRIC أُسس عام 2000 ويُعد واحدًا من أبرز برامج وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية (FEMA)، ويهدف إلى تمويل مشاريع تقليل مخاطر الكوارث الطبيعية، مثل:
إنشاء سدود مضادة للفيضانات
تطوير غرف آمنة داخل المباني لمواجهة الأعاصير
مشاريع إدارة الغطاء النباتي لتقليل حرائق الغابات
تعزيز مقاومة المباني للزلازل
وقد لعب البرنامج دورًا جوهريًا في تمويل مشروعات طويلة الأمد على مدار العقدين الماضيين، وازدادت أهميته بعد حصوله على تمويل قدره مليار دولار بموجب قانون البنية التحتية الذي وقّعه الرئيس جو بايدن.
قرار الإلغاء المفاجئ: “عودة إلى المهمة الأساسية”؟
في أبريل الماضي، أعلنت وكالة FEMA عن إلغاء برنامج BRIC رسميًا، ووصفت البرنامج في منشور (تم حذفه لاحقًا) بأنه “مسرف ومسيّس”، مؤكدة أن الوكالة ستعود إلى “مهمتها الأساسية في التعافي من الكوارث”، وهو ما أثار سخطًا واسعًا بين حكومات الولايات المحلية.
ورغم أن إدارة ترامب كانت قد دعمت في بداياتها برامج التخفيف من الكوارث ووقّعت قوانين لتمويلها، فإن الخطوة الأخيرة بدت وكأنها انقلاب على السياسات السابقة.
تداعيات مالية وإنسانية خطيرة
وفقًا لنص الدعوى، فإن إلغاء البرنامج كان له تأثير مدمر، إذ أصبحت مئات المشاريع الممولة في أنحاء البلاد مهددة بالإلغاء أو التأجيل، رغم أن المجتمعات المحلية قد استثمرت بالفعل ملايين الدولارات في إجراءات التخطيط والتراخيص البيئية والدراسات.
تُشير الدعوى إلى أن “الولايات والمجتمعات التي تعتمد على هذه المنح لحماية أرواح المواطنين تُركت بلا دعم”، وهو ما وصفته المدعية العامة أندريا جوي كامبل من ولاية ماساتشوستس بأنه “تخلٍ عن المسؤولية الفيدرالية في لحظة حرجة”.
وقالت كامبل في تصريح لوكالة “أسوشيتد برس”:
“في أعقاب الفيضانات المدمرة في تكساس وولايات أخرى، يتضح مدى أهمية التمويل الفيدرالي في تأمين حياة الناس والاستعداد للكوارث المستقبلية. لا يجوز التراجع عن هذه البرامج بحجة التقشف أو إعادة الهيكلة”.
هل خالفت إدارة ترامب الدستور؟
الدعوى القضائية تشير إلى أن الإدارة لم تكتف بوقف الصرف، بل حاولت توجيه الأموال إلى برامج أخرى، وهو ما اعتُبر تجاوزًا لصلاحيات السلطة التنفيذية وتدخلاً مباشرًا في اختصاص الكونغرس.
وتؤكد الولايات المدعية أن تصرفات إدارة ترامب “غير دستورية”، وتطالب بإعادة تفعيل البرنامج فورًا، وصرف المخصصات السابقة التي جُمّدت دون سند قانوني.
صراع سياسي بلباس قانوني
يرى مراقبون أن القضية تتجاوز مجرد نزاع إداري حول تمويل، بل تعكس صراعًا سياسيًا عميقًا بين توجهات الحزب الجمهوري بقيادة ترامب، الذي يسعى لتقليص دور الدولة الفيدرالية في الشؤون المحلية، وبين حكام ديمقراطيين يرون أن الكوارث الطبيعية تستلزم تدخلًا مركزيًا قويًا.
ويتوقع خبراء أن تمتد هذه القضية إلى المحكمة العليا إذا لم يتم التوصل إلى تسوية، خاصة أن تأثيرها لا يقتصر على المشاريع الحالية، بل يشمل مستقبل الاستعداد الوطني للكوارث في ظل تغير المناخ وزيادة وتيرة الظواهر الجوية العنيفة.
خاتمة: الولايات في سباق مع الزمن
مع استمرار التغير المناخي وتصاعد التهديدات الطبيعية في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، تواجه المجتمعات المحلية تحديًا غير مسبوق. وبينما يتزايد خطر الأعاصير والفيضانات وحرائق الغابات، يبدو أن قرارًا بيروقراطيًا في واشنطن قد يُعرّض ملايين الأرواح للخطر.
ويبقى السؤال: هل ستنجح الولايات في إعادة إحياء برنامج BRIC؟ أم أن القرار سيؤسس لمرحلة جديدة من الخصخصة الفيدرالية في ملف إدارة الكوارث؟