قرية فطرت بلحم شهيد

كتب : ياسرعبيدو

كثيرٌ من سلوكيّاتك وتصرّفاتك وأفكارك، غير نابعةٍ من مُنطَلقٍ علمي أو فهمٍ واضح، بل مُنبعها في الحقيقةِ مستمد من الهوسُ الديني والهيستيريا الجماعيةُ المُنتشرة، وبعضُ الأيديولوجيات الثقافيّة لديك التي تتبعُ القطيع الذى تسير فى أسره ، دون تثبّت ولا مُحاولةِ معرفةٍ أو اطّلاع ككثير من الناس التى نراها تتساقط فى براثن فيروس كورونا والزحام الشديد على البنوك والأسواق خوفا من نفاذ السلع والشراء غير المبرر الذى يتبعه جشع التجار وبروز سماسرة الأزمات ومتواليات وتداعيات ما يسمى بسيكلوجية الزحمة والهلع وهى بالمناسبة لا تخضع لأى منطق سوى بل يرسمها ويحركها اللاشعور وعدم التهيئة من أولى الأمر فشاهدنا مثلا هجوم الأوروبيين على السلع قبل الحظر وتخزين السلع والبضائع بكميات تكفى مدنا وقرى كاملة مما خلق أزمات ومثلها آثار الحظر بالاردن وخوف المواطنين من ازمة بالخبز جعلتهم يركضون خلف سيارات الخبز ويخطفونها مما سبب اصابات وإهدار تصفه اجهزة النظافة بعد الموقعة بجمعهم 30 طن خبز القاه المواطنون لعدم حاجتهم إليه او مما سقط تحت ارجلهم من التدافع ,ويأتى نقدُ الأفكار السّائدة والشكّ في القناعاتِ وغربلةُ الموروث، تجربةٌ ضروريةٌ لتحريرِ العقلِ من الأوهامِ والخُرافاتِ والأكاذيب، واقترابِه أكثر من الحقيقة، وبالرّغم من ذلك، يبدو أن الإنسانَ يحتاجُ إلى مجموعةٍ من الأوهام الفكريّة والثقافيةِ كوسائل تكيّف مع بعض الحقائقِ الصّادمة.. فيقول (فولتير): “الوهْم.. يحتلُّ صدارة كلّ المُتَعِ وأشكالِ السّعادة”.

بعض البرامج ووسائل السوشيال ميديا تستغلُّ عواطفَ وآلام وقلقَ الناس، وتُتاجرُ بجهْلهم وسذاجتِهم، وتبيعُهم الأوهام، وتُقامر معهم بالصُّدَف والاحتمالات وعوالمِ الغيب، وجميعها من السُّلوكيات التي تنتشرُ في المُجتمعات المُتخلّفة فكريًا وثقافيًا.

وكما يقول (دوستويفسكي): “الحقيقةَ الصّادقة دائمًا ما تكونُ غيـر قابلةٍ أن تُصدَّق، فإن شئتَ أن تجعلَ الحقيقة قابلةً أن تُصدَّق، عليك أن تُضيف إليها شيئًا من الكذب”. ويقول (نيتشه): “أحيانًا لا يرغبُ الناسُ في سماع الحقيقةِ، لأنّهم لا يريدون رؤيةَ أوهامِهم تتحطّم”هذا ما وضح فى ابرز صوره كنتيجة للافتاءات المجانية والتهويلات التى يستمتع بها بعض المرضى نفسيا حينما يصنعون لأنفسهم هالة من الاهمية والاثارة بترويج الخرافات والاوهام بدون علم طبعا يعزز ذلك تلهف مرتادى سوق الميديا بنسخها او الاتكاء عليها كحقيقة علمية لا جدال فيها ,وكان منها تلك الشائعات بانتشار فيروس الكورونا وفتكه بالأحياء المتعاملين او المحيطين بجثة المتوفى او الشهيد إذا أردنا الدقة كما افتى علماء الدين لأنه بالقياس يوافق حديث الرسول.

اعتقلت الشرطة المصرية 23 شخصا، وأطلقت الغاز المسيل للدموع على آخرين منذ عدة أيام، بعدما احتج حشد من الناس في قريتين بإحدى محافظة الدقهلية، على دفن إحدى ضحايا وباء كورونا في مقابر أي من البلدتين.

وقبل دفن المتوفاة، وهي بالمناسبة طبيبة متقاعدة قدمت خدمات طبية جليلة سابقة، احتج عشرات الأشخاص خارج المقابر خوفا من انتشار الفيروس، كما أوهموا بعضهم البعض إذا تم دفن المرأة البالغة من العمر 65عاما هناك.

وكانت عائلة المرأة قد قوبلت بالرفض بعد طلب دفن الطبيبة في مقبرة عائلة زوجها في قرية منهما، فنقلوا الجثمان ليدفن في قرية مجاورة” وهي مسقط رأسها، فقوبلوا بالرفض نتيجة عدوى السلوك وتناقل الشائعات من بعض أهالي القرية أيضا، فاضطروا للعودة بالجثمان مرة أخرى إلى قرية الزوج، لتدفن بإشراف فريق من الطب الوقائي وفى حضور الشرطة بعد أحداث مؤسفة تناقلتها وكالات الأنباء لم يكن لها داع أو لتحدث لو طمأنهم المسئولون وحددوا إجراءات التعامل مع هذا الوضع المؤلم,و قد يختلط الوهم او يشترك فيه ما درجت عليه الصين بحرق جثث الضحايا وتبعتها اوروبا والتى يعد إحراق الجثث تقليدا متبعا برضا أهل المتوفين طبقا لمعتقداتهم بل ويحتفظون بالرماد المتخلف عن الحرق لنثره بالبحر او الاحتفاظ به كذكرى أما نحن كمسلمين وعاداتنا بمصر فإكرام الميت دفنه لذا حدث الجدل الى ان وضع المسئولون القواعد فسيسير عليها الجميع بعد التأكد من أن الفيروس لا ينتقل بعد الدفن ولا ينتشر فى الجو.

وفي الشهر الماضي،كانت السلطات المصرية قد وضعت 300 عائلة تحت الحجر الصحي في قرية بمحافظة الدقهلية، بعد وفاة امرأة تبلغ من العمر 72 عاما، ورجل يبلغ من العمر 50 عاما بسبب الفيروس التاجي.وفي ذلك الحين، قالت وزيرة الصحة هالة زايد إن الإجراء المتخذ هو السماح بإجراءات التعقيم، لمنع المزيد من الإصابات في القرية، التي لم تذكر اسمها.

ويقبض على ذلك المشهد المأساوى الذى تحركه الأنانية المفرطة المعجونة بالجهل الشاعر المبدع سعيد شحاتة فى قصيدته الذى يصحح فيها السلوك الانسانى السوى والذى يرفضه شعوره السوى فيصفه كصرخة دامية تخلد هذا الموقف الذى لا يمت لطبيعة المصريين الأسوياء اهل الشهامة المغلفين بالتدين وستر الميت ويزيد هذا الشعور ويتسامى ان كان شهيدا كما صنف ضحيا الكرونا شيخ الأزهر وسائر علماء الدين وكرامة الميت دفنه فيقول فى قصيدته

“وانا وامي قاعدين ع الفطار شفت الخبر دمّعت
…. قرية كذا رفضت شهيد واجب…
كل الأهالي اتجمعوا ضد البدن وسابوه بعيد وكإنه جسم لعين
يا أيها الوحشين, منين ولإمتى ولفين وانتو أصلًا مين
المصري مش خاين
واللي اتوهب لشهاده مش بيّاع
دمع العيون نازل على الخدين
قلب الحزين بيئن ع التّرقه
وانتم على شمال الحياه أصفار
في العدّ ساعة الجد مش فارقه……
كوباية الشاي جنبي بتدلدق دموع
إيدي كما عيدان الحطب والريح بيلعب بيها رايح جاي
بتبص لي وانا باترعش م الجوع
وتقول لي خد بالك دلقت الشاي
عيّطت يا امه كتير وانا موجوع
لكني مش عارف أقولها إزاي…
قرية كذا فطرت بلحم شهيد
طلعوا الكلاب يتفرّسوا ف الجته ويشقوا البدن بنيابهم المسنونه زي السيف
ويقسّموه بينهم كأنه رغيف
وكبيرها قاعد قعدة الخنزير
وبيفتي فيها تقولش ابو العُرّيف
مين الشريف يا شوية الحلاليف
رِجل الشهيد بتدّب فوق الروس
والموت ما فيهش رئيس ولا مرؤوس
إيد الشه

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.