500 باحث مصري وأسرهم يناشدون الرئيس إجلاءهم والعالقون في المدينة: نخشى إصابتنا بالفيروس القاتل

كتبت : عفاف محمود

يومًا بعد يوم يزداد الأمر سوءًا، مخاوف انتشار فيروس كورونا المستجد، تتوسع، ويزداد أعداد المصابين به، وقبله أعداد الوفيات، ويتردد الآلاف على مستشفيات مدينة ووهان، مصابين بالحمى، حتى عجزت المستشفيات عن استقبال كل الحالات التي قد تكون مصابة بالفيروس الذي تتمثل أعراضه ما بين ارتفاع حرارة الجسم وسعال والتهابات في الجهاز التنفسي وصعوبة في التنفس، ولا يوجد له علاج أو لقاح إلى الآن.  العالقون من المصريين في تلك المدينة، وأغلبهم باحثون في جامعات ووهان، محاصرون في نزلهم الجامعية منذ أكثر من أسبوعين لا يخرجون من غرفهم، التي تقع بداخل جامعة لا يسمح لهم بالخروج منها، وعلى نطاق أوسع مدينة بها حجر صحي لا يغادرها أحد، آملين في استجابة الرئيس عبدالفتاح السيسي لمناشدتهم بإجلائهم من مدينة الأشباح وإعادتهم لوطنهم مصر قبل إصابتهم بالفيروس.
شوارع خالية وحركة مواصلات معطلة، ومحال وشركات وجامعات ومؤسسات مغلقة، وأناس يخشون الخروج من منازلهم خوفًا من انتقال العدوى إليهم ويكتفون بنظرات من خلف نوافذهم وشاشات هواتفهم للإطلاع على مستجدات العالم الخارجي.
تلك صورة لما هو عليه حال البؤرة الأولى لانتشار فيروس كورونا المستجد مدينة ووهان التي يقطنها 14 مليون مواطن، وامتد الفيروس منها إلى 4 قارات أخرى وخلف 135 حالة وفاة و5 آلاف و500 مصاب إلى الآن، فيما يزال هناك عالقون من بلاد أخرى لا يستطيعون الخروج من ووهان للحظر الصحي الذي تفرضه الحكومة الصينية ومنهم ما يقرب من 500 باحث مصري في أكثر من 18 جامعة بالمدينة يقطنون هناك برفقة أسرهم يخافون انتقال الفيروس إليهم وتعريض حياتهم وأسرهم للخطر، «الأخبار» نقلت معاناتهم بمدينة الأشباح.
منذ أسبوعين يمكث مصطفى أبو العز مدرس مساعد بكلية الصيدلة جامعة سوهاج ويدرس الدكتوراه بكلية تونجي الطبية، داخل حجرته بسكن الطلاب بالجامعة، لا يملك أن يغادرها، يقضى وقته في قراءة الأبحاث ومطالعة آخر المستجدات من حوله على هاتفه المحمول، ويعد طعامه من مخزون لديه وفره بمنزله قبل بدء الأعياد فى المدينة الصينية والحظر الصحي وحظر التجوال الذي فرضته السلطات الصينية في المدينة 16 يناير.
قبل ذلك التاريخ يروي مصطفى أنه كان حر الحركة، ولا يشعر بشيء، فالمدينة الكبيرة الكائنة في وسط شرق الصين كانت تمتلئ بالسياح من كل دول العالم، بخلاف قاطنيها، لكن اليوم هي خالية لا يخرج ولا يدخل إليها أحد فأصبحت شبيهة بمدينة الأشباح، كل ما فيها مغلق حتى نوافذ المنازل.
يقول: السلطات الصينية فصلت المدينة عن المدن الأخرى وأغلقوا المطارات وأوقفوا حركة القطارات ووسائل النقل، وأصدروا تعليمات للجميع بعدم الخروج من المنازل إلا في حالات الضرورة، مرتديًا الكمامة و«القفاز» في اليدين، ومن يغادر ووهان بدون تصريح يتعرض للحبس 7 سنوات.
ويضيف: الأمر أصبح خطرًا، آلاف الحالات تتجاوز الـ15 ألفا تصاب يوميًا لدرجة أن المستشفيات امتلأت عن آخرها، وتم إنشاء مستشفى طوارئ متنقلة سعة 1000 سرير، في 6 أيام، لنقل المصابين بالفيروس إليها، وما يزيد الأمر خطورة أن فترة حضانة الفيروس لكي تظهر أعراضه على المصاب به من 7 إلى 14 يومًا، وينتقل الفيروس بسرعة بين الأشخاص، عن طريق الكحة والرذاذ ولمس الأسطح، لكن ربما يكون الأمل موجودًا مع ظهور الشمس ثانية، لأن ارتفاع درجة الحرارة يميت الفيروس، وكذلك المياه الساخنة.
ما يخشاه مصطفى أيضًا قرب نفاد الطعام الذي يدخره بمنزله من قبل بدء الأعياد القمرية بالصين، ولا يوجد سوى «سوبر ماركت» واحد في الجامعة لا يشمل كل احتياجاتهم من الطعام.

يأمل مصطفى في الرجوع لمصر بأي طريقة، بعد أن أخطرتهم الجامعة بتعليق الدراسة لأجل غير مسمى، مبديًا استعداده للكشف عليه قبل مغادرته الصين ومكوثه 14 يومًا في الحجر الصحي بالصين، ومثلهم عند عودته لمصر، مناشدًا الرئيس المصري، بالتدخل لإجلاء الأسر والأطفال الصغار أولًا.
يقضي الدكتور طلعت محمود مدرس مساعد بكلية الزراعة بجامعة الأزهر الباحث في جامعة وسط الصين الزراعية، يومه في اللعب مع طفله البالغ من العمر 4.5 سنة، داخله سكنه الجامعي.
«سجن كبير، بداخله سجن أصغر، نسجن فيه أنا وزوجتي وطفلي منذ منتصف يناير، لا نستطيع أن نغادره، ويعرض طفلي للتعب» كلمات تحمل في طياتها أسى يعبر بها «طلعت» عن حاله وأسرته الآن في ووهان.. يصف ووهان بأنها مدينة جميلة كان يعيش فيها في هدوء تام، فيذهب إلى الجامعة التي يدرس فيها 130 مصريًا آخرون، ما بين ماجستير ودكتوراه، ثم العودة لمنزله والانشغال بطفله، لكن سرعان ما انقلبت الأمور رأسًا على عقب، فانتشر الرعب والهلع، وأصبحت المدينة خالية من الناس «نخاف نمشى فيها»، وأغلقوا الجامعة والمحلات وأعلنوا الحجر الصحي، ولم يتبق غير «سوبر ماركت» واحد في الجامعة ليس به كل المستلزمات، ويبيع السلع بضعف أسعارها، فى ظل ضعف رواتبهم.

ويرى أن المشكلة الأكبر في تزايد أعداد المصابين يومًا بعد يوم، ورفض المستشفيات استقبال كل المصابين، وحاليًا يرسلون لجنة طبية للمصابين، وفى حال خطورة الحالة فقط يتم نقلها للمستشفى.

«ما زال الأمر ضبابيا، الجامعة ألغت الدراسة وأغلقت المعامل لأجل غير مسمى، وما لدينا من طعام يكفي 10 أيام وبعدها لا ندري ماذا نفعل، وعند الذهاب للسوبر ماركت الأمن يعيدك الأمن، وأخاف أزور زملائي في غرفهم تجنبًا لانتقال العدوى، وإلى الآن لم تصب حالة مصرية بالفيروس، لكن لو حدث ستكون كارثة، وعندما نرى شخصا صينيا نخاف نقرب منه حتى لا تنتقل العدوى» هكذا عبر الباحث طلعت عن مخاوفه.

بعد 3 سنوات ونصف قضاها الباحث في ووهان، يأمل وأسرته في العودة لمصر، رغم ضعف راتبه الذي يعيقه عن العودة، فخاطب السفارة للعودة، مناشدًا الرئيس عبدالفتاح السيسي بإجلائهم باتخاذ قرار سيادي بذلك، فيوجد 500 باحث في ووهان، وأكثر من 40 طفلا، وكلهم بأسرهم في حالة هلع.

لم يحالف الحظ د. عزة عبدالوهاب، الحاصلة على الدكتوراه من كلية تدريس اللغة صينية بجامعة ووهان في عودتها إلى مصر بعد 5 سنوات قضتها في المدينة المنكوبة، فبعد أن حصلت على درجة الدكتوراه وأنهت إجراءات عودتها لمصر وحجزت تذكرة طيران بتاريخ 30 يناير الجاري، تم تعليق السفر وحظر التجوال في المدينة، فبدلت التذكرة بأخرى بتاريخ 4 فبراير وما زالت تنتظر عودة لمصر دون رجعة لووهان.

حظر التجوال الذي فرضته السلطات الصينية أعاق الباحثة عن استلام جواز سفرها من السفارة، للعودة لبلادها فمنعت السيارات من السير في الشوارع، وكذلك منع الخروج من المنازل، إلا للذهاب «للسوبر ماركت» الوحيد.

حالة القلق التي تعيشها «عزة» خوفًا من انتقال الفيروس تدفعها يوميًا إلى إتباع تعليمات أوصت بها سلطات ووهان تتمثل في تهوية البيت مرتين، وقياس درجات الحرارة للأشخاص في المنزل، وتجنب تناول اللحوم والبيض، والاعتماد على الفواكه والخضراوات.

وتثق «عزة» في إجراءات الحكومة الصينية للسيطرة على الفيروس، فهي اتخذت كل الإجراءات الوقائية، ووزعت الماسكات على الأشخاص بأنواعها المختلفة ومنها ما يتم ارتداؤه ساعتين أو 4 ساعات، كما أنها تقوم بغسل يديها كل 10 أو 15 دقيقة وتعقيمهما طوال الوقت وغسل الأكل والطهي جيدًا حسب ما أوصت السلطات.

وتقول: «لا أحد يمشى في الشوارع والمدينة خالية، وكل المحلات مغلقة باستثناء محل بداخل الجامعة، والكل يجلس في بيته خوفًا.

وتؤكد أن السفارة المصرية تتواصل معهم يوميًا عن طريق «جروب» «وى شات» وتطمئنهم، ولكن ما يزال أمر إجلائهم من ووهان محل مباحثات.

Leave A Reply

Your email address will not be published.