محمد القصبي يكتب: مواطنون بامتياز.. في جمهورية الأدب!!

هل سعيت نحوهم؟

نعم .. رواد صالون سالمينا الثقافي.. حضور أول لي في عالمهم الفريد كان منذ شهرين ربما.. دعوة من صديق لحضور إحدى ندواتهم.. مناقشة رواية ﻷديب ﻻأعرفه.. ﻻ أحد هناك يعرفني أو أعرفه.. سوى زميلي في مجلس إدارة نادي القصة زكريا صبح.. وأدهشني ما أرى وأسمع.. منصة متمكنة للغاية من جينات النص.. الظاهرة والمتوارية.. وقاعة تضم حوالي ثلاثين شخصًا.. درايتهم بتفاصيل العمل عالية.. والكل قرأ.. والكل شارك في الحوار.. وطرحهم يظهر أن لديهم موهبة في التلقي ﻻ تقل عن موهبة الكاتب في الحكي.

ماهذا؟!

أمر ﻻعهد لي به في منتدياتنا الثقافية المعروفة.. راعي الصالون أحمد ربيع يقدم لي تفسيرًا: تلك ندوات تفاعلية.. الكل يقرأ.. الكل يقول.. الكل يتفاعل مع مايقال.. ﻻ فرق بين منصة وجمهور!

طلبوا مني روايتي اﻷخيرة “السيدة” لمناقشتها.. فرحت واستجبت.. لم يطلبوا نسختين أو ثلاثًا لفرسان المنصة كما هو الحال في المنتديات الثقافية الأخرى.. بل عشرات النسخ لتوزيعهاعلى الجمهور.. وما كان لدي سوى خمس..

إزاء حماسهم أرسلت لهم النسخة الإلكترونية.. ونسيت أن أحذف منها مشهدًا جنسيًا مفرطًا في تفاصيله.. وقد حُذِف من النسخة الورقية تحت وطأة إلحاح المسئول عن النشر بالهيئة العامة للكتاب.

بدأ الحضور قليلًا.. دون العشرين.. بدأ راعي الصالون أحمد ربيع منزعجًا.. وقال إن العديد قرأوا الرواية وتحاوروا معه بشأنها لكن ظروفًا شخصية حالت دون أن يأتوا.. وما شاركته في انزعاجه.. لو كان اﻷمر متعلقًا بالكم لملأت القاعة باﻷهل واﻷصدقاء.. خداعاً للآخرين .. إيهام لنفسي أني أكثر نجومية من محمد رمضان!!!

لم أفعل هذا.. فما أريده ولو قارئًا واحدًا يستقبل رسالتي سلبًا أو إيجابًا بوعي.. تلك هي الجائزة الكبرى للكاتب وليس جوائز المسخرة وحفلات التكريم المضحكة التي تقام لكاتب لم يقرأ مكرموه حرفًا واحدًا من كتاباته.

لم يكن على المنصة أحد أعرفه سوى مدير الندوة زكريا صبح.. وهذا حال القاعة.. مجهول لهم.. مجهولون لي.

وأدهشني ما سمعت.. محمد سمير رجب.. ينادونه بالدكتور… ظننته أستاذ نقد فائق العادة في إحدى جامعاتنا!! فإذا به صيدلي.. يغوص في جماليات اللغة ودﻻﻻت اﻷنساق اللغوية بما خفي عني وأنا الكاتب!!

ولقد سعدت حين تحدث محمد سمير عما يراه مكنوز روايتي من جماليات اللغة.. ليس لثنائه فقط .. بل لشعوري أن ثمة فارسًا آخر يعيد للمشهد النقدي ما افتقده من عدالة.. فقلة من بين نقادنا من يهتمون بجماليات اللغة ودقة دلالاتها الوظيفية في التعبير عن المشاعر والصراعات وعن توجهات ونزعات شخوص الرواية.. وأكثرية تتعامل مع النص من منظور نصفي لمدرسة الجشطلت الألمانية.. أنهم يكتفون بنظرة كلية للنص..ولايغوصون في تفاصيله.. مفرداته.. بجمالياتها ودلالاتها العميقة.. ولايحق للكاتب أن يبدي ولو نظرة احتجاج على مايقولون!

هل قال رولان بارت في مقالته الشهيرة التي نشرت عام 1967 أنه بمجرد نشر العمل انقطعت صلة المؤلف به وأصبح من ممتلكات المتلقي ؟

بل واستخدم بارت أشد التعبيرات في هذا الشأن قسوة ..موت المؤلف .. هذا التعبير تحول إلى كمامة يدسها مثل هؤلاء النقاد في فم الكاتب ..فلايحق له أن ينبس ببنت كلمة حول مايقولونه عن نصه ..!

ورغم قسوة التعبير..فهو عادل ..لايفوح أبداً برائحة الظلم على الكاتب..فقط إن تلقى القاريء العمل جيداً ..توحد معه ..أصبح أحد شخوصه..أصبح أحد جيناته..في هذه الحالة لايحق للمؤلف أن يرد على ما يقول المتلقي..

..لكن ماذا لو لم يتعامل المتلقي ب” ضمير يقظ” مع العمل؟ ..ماذا لو تصفحه سريعا أو اكتفى ببعضه ثم صعد إلى المنصة ليصول ويجول ..هل من حقه أن يلجم المؤلف إن عقب على خطاياه ؟!!!

وأتذكر أنني قرأت مرة مقالاً أو ربما تصريحات صحفية للكاتب المسرحي البريطاني الراحل هارولد بنتر يسخر خلالها من بعض نقاد أعماله ..لأنهم يتلقونها من وجهة نظره بضمير نصف نائم ..!

وهذا ما فعله جارثيا ماركيز أكثر من مرة ..ومعارك العقاد مع نقاد أعماله معروفة للجميع..

وهذا مافعلته مع بعض من فرسان المنصات خلال مناقشة أكثر من عمل لي ..ثرتُ على محاولاتهم أن يلجموني ..مشهرين سلاح رولان بارت ..” موت المؤلف” ..

ومرات قليلة التي شعر ت فيها بموتي ..حين كنت أدرك أن عملي بين أيدي أمينة ..وأن جيراني على المنصة تلقوا العمل بضمير يقظ فتوحدوا فيه ..أصبحوا من جيناته ..وإزاء مآخذهم كنت أدرك أنهم محقون فألتزم الصمت ..

وهذا ما حدث في ندوتي في صالون سالمينا الثقافي ..لزمت الصمت وأنا أتابع مايقوله محمد سمير رجب وأحمد ربيع وزكريا صبح وهويدا هويدي وعبير عبد الله ورباب فؤاد وعمرو مدين ونهال القويسني..ومحمود ربيع ..إزاء طرح هؤلاء العميق وغيرهم تقبلت بسعادة أن يسطروا شهادة وفاتي ..نعم اختزلت إلى مؤلف مات إلا أذنين تنصتان إلى مايقولون ..والذي يقولون سلباً أو إيجابا هي رؤاهم العميقة الجديرة بالانصات لها صمتا..الجديرة بالإشادة جهرا . وأسعدني طرحهم عن المشهد الجنسي الذي حُذِف من النسخة الورقية..

رواد صالون سالمينا الذين تلقوا النص إليكترونيا أدركوا مالم يدركه مسئول النشر بالهيئة العامة للكتاب.. أن المشهد الجنسي هذا بتفاصيله الدقيقة يلقي الضوء أكثر على الجوانب المعتمة في شخصية منتصر السيناوي وشريكته في فراش اللاشرعية لينا..وكما قالت د.نهال القويسني الإستشارية في مجال التنمية الدولية أن المشهد الجنسي في الرواية ليس الهدف منه الإثارة الرخيصة .. بل وجوده حتمي ..ﻷن تفاصيله الدقيقة تلقي الضوء جيداً على اﻷدغال المظلمة في دواخل طرفيه ..لينا ..سكرتيرة السفارة..والصحفي منتصر السيناوي..ورغم ماأظهره “الذكر” من فحولة يمكن أن تكون مثار فخره إزاء أنثاه..إﻻ أنه بدا مهزوماً ..وبما يتسق مع الظروف العاطفية والاجتماعية القاسية التي يمر بها. وعلق أحدهم –أظنه الصيدلي- أن حذف هذا المشهد من النسخة الورقية بتر لما ينبغي ألا يُبتَر.
وتنتهي رحلة دكتورة نهال مع “السيدة” إلى تلك الرؤى:

-الرواية تلقي الضوء علي الفصام الذي تعاني منه مجتمعاتنا العربية من تفاوت لا عقلاني بين الأفكار والمعتقدات، خاصة الديني منها، وبين واقع التعاملات في مجتمع البترودولار..
حيث تختلط أدوات الحضارة بثقافة رجعية متأصلة.
-التحدي الكبير الذي يواجهه كل صاحب مبدأ وفكر ..حيث يتعين عليه أن يتواءم مع متغيرات العصر وانهيار القيم الذي يراه من حوله..
-المراهقون الصغار وتحدي انفصالهم الكبير عن تاريخهم وجذورهم الحضارية وقيم مجتمعهم.
-الوضع الشائك الذي تعاني منه المرأة العربية ..ففي الوقت الذي حصلت فيه علي أرفع الدرجات العلمية وتبوأت أعلى المراكز الدولية، ما زال مجتمعها يعاملها علي أنها مجرد متاع، وتابع لا إرادة له حتي في شئون حياته الشخصية.
وجاء قتل الشخصية الرئيسية في الرواية بهذه الصورة الخالية من كل تحضر أو مشاعر إنسانية كمؤشر علي اغتيال الطهر كقيمة في العصر الحديث..
– “السيدة” رواية ثرية جداً بالقيم والمشاعر والرؤي في إطار أدبي وصياغة لغوية تعكس تمكن صاحبها من أدواته الفكرية والأدبية واللفظية.

ولاأظنها – د.نهال – ناقدة محترفة ..بل إنها ..تقرأ.. لا لشيء إلا لمتعتها الخاصة.

وهذا حال الغالبية العظمى من الحضور سواء على المنصة أو القاعة..فقط هدفهم المتعة ..متعة التلقي ..وكثير من القراء حين يكون هدفهم المتعة ..يتحول هدفهم هذا إلى مجهر يرصد بدقة ماهو جهراً ..وماهو مخفياً في النص ..

كان هذا حال رباب فؤاد وهي تتحدث عن منطقية التناقضات في النص ..جمالياتها ..وعبير عبد الله إن لم تخني الذاكرة ..وهي تتحدث عن إيجابية المعلوماتية في الرواية..

عمرو مدين وهو يتحدث عن موت” السيدة” في نهاية الرواية ..مؤكداً أن مثلها ..بنقاء روحها ..ووجودها الانساني الخيِّر.. من المنطقي جداً أن تموت!

وأدهشني “المحترف” بينهم.. الصيدلي محمد سمير وعيناه تشرقان بفرحة المستكشف كلما وضع أنامله على مايراه كنزاً في الرواية ليصيح به من فوق المنصة صيحة كولمبس حين اكتشف أمريكا ..صيحة بارثلميودياز حين اكتشف رأس الرجاء الصالح.. صيحة فاسكو داجاما حين وصل إلى الهند.

هل يبدو تطلع الكاتب إلى الجوائز أمراً طبيعياً..ولاينبغي استهجانه ؟

نعم..فقط أن تطرق بابه .. لا لأي سبب سوى.. جودة ما يكتب..

ولقد فاجأني جمهور صالون سالمينا الذين لاأعرفهم ولايعرفوني بما أبهجني ..حسن تلقيهم لروايتي “السيدة”..

هؤلاء ..في الحقيقة.. جائزتي الكبرى!

Leave A Reply

Your email address will not be published.